عدد رقم 50 ل 18 - 11 - 2011

عدد رقم 50  ل 18 - 11 - 2011

الخميس، 5 مايو 2011

بعد الملف الأخير لـRussia in Global Affairs انقسام بين بوتين ومدفيديف حول تطورات المغرب العربي بعد أزمة ليبيا، وقراءة لأسرار روسيا في الصحراء (الغربية)


في العدد الرابع من الفصلية الروسية Russia in Global affairs تظهر الحوارات الاستراتيجية التي تؤطر حركة الكرملين في آسيا المحيط الهادي وخصوصاً العلاقات مع اليابان، حيث دبلوماسية الجزر والصراع عليها موضوع يشكل جزءاً من واقع موسكو في استراتيجيات متوازنة ورأسية مع اليابان – الهند – الصين، وهذا الثالوث يشكل في حد ذاته صعوبات ذاتية تقبل بالموقف "المركب" في دبلوماسية روسيا.
إذ هناك ما يدعى "تركيب الموقف" الروسي، والمنطق (العميق) لحركة روسيا على الصعيد الكوني، فأولا، العلاقات مع الغرب ليست وجها واحداً، وثانيا، مصالح روسيا بعد الأزمة مع جيورجيا أصبحت متعلقة ليس "بالعمق الاستراتيجي" بل بالمنطق العميق للمصالح المباشرة لهذا البلد، الذي فشل كامبراطورية ويسعى أن يبقى قوياً في المناطق الدافئة.
بوتين في دفاعه عن القذافي يجد نفسه أمام دفاع متقدم عن سوريا، ومن ثم إيران رغم سعي بشار الأسد إلى تمييز موقفه عن طهران في البحرين، والعمل تحت قرارات مجلس الأمن فيما يخص ليبيا.
تركيا تخلت عن هذا التقدير باتجاه الناتو، ودعمت عدم وصول أسلحة إلى القذافي، ومدفيديف نفسه يرغب في تخطي هذه الأزمة بمساندة الغرب، لأن العلاقات متأرجحة بين روسيا وأمريكا، على أساس رفض العمل العسكري، وقبول المشاركة غير المباشرة في المصالح المباشرة غرب المتوسط والمياه الدافئة بدءاً بالخليج وانتهاء بمضيق جبل طارق.
الحوار العميق بين روسيا وأمريكا في عهد أوباما شكل انقسام مدفيديف وبوتين.
من جهة لأن تطوراً حدث في السلوك التفاوضي الأمريكي American Negotiating Behaviour (وقد أصدر ريتشارد سلمون، ونيجيل كويني كتاباً في السنة الماضية بهذا الخصوص) واعتبر شفافية في إدارة أوباما تحديداً. إنها تفضل سياسة إقناع الآخرين وقيادة المفاوضات عبر "محترفين جيدين جداً" حسب البروفسور الروسي Yuri Nazrakin، وعندما نقرأ مقاله نجد اعتماد أمريكا على ما دعاه : الواقعية الميكيافيلية، وتأكيد أمريكا على زعامتها الأخلاقية عوض الرؤية السابقة المؤسسة على "الهيمنة" والسيطرة باتجاه الحلفاء.
وهذا لا ينسحب على روسيا فقط، بل على القراءة اليابانية التي تتقاطع مع موسكو في هذه النقط عندما يعتقد Watanabe Koji بين 1970 و1980 أن هذه السنوات لم تكن أكثر من ضغط مأساوي ودائم على اقتصادات اليابان، فهل يمكن أن نعتبر أن علاقات موسكو وواشنطن لم تكن أكثر من "وضع مأساوي ودائم على استراتيجيات موسكو من 1991 إلى الحرب على جيورجيا".
الواقع في هذه التغيرات أن 1991 كانت "مأساوية جداً" لأنها ببساطة فككت امبراطورية الاتحاد السوفياتي بالنسبة للروس، ودفعت اليابان نقداً 9 ملايير دولار ؟! ضد عراق صدام حسين. هل هناك أكبر من هذا الثمن في آسيا : هيمنة غربية على النفط في الخليج، تفكيك الإمبراطورية (السوفياتية)، ودفع 9 ملايير دولار نقداً لواشنطن ؟
آسيا في هذه اللحظة قرأت مستقبلها مُرّاً مع وحيد القرن الأمريكي، قبل أن يستعيد بوتين جزءاً من حماية تخوم روسيا، وتنافس طوكيو وبكين في استراتيجية عمل آسيوي لوقف الهجوم الاستراتيجي والمالي لواشنطن.
بعد الأزمة الاقتصادية المالية قرأنا المعايير المتعددة الأقطاب، لأن تفكيكا معنويا ظهر على القوة الأولى عند الحلفاء الآخرين من سنغافورة إلى نيوزيلاندة.
ولا تتوقف في آسيا بل تنتقل إلى غرب المتوسط، فموسكو لا ترغب في أن تفقد مواقعها في عصر الثورة العربية، فتونس ومصر ضمن ترتيبات فرنسية وأمريكية، وليبيا "نصف نقطة لموسكو" ولا يجب أن يفقدها الروس، وهذه الصياغة قائمةبين عودة بوتين إلى خارطة السوفيات، وبين معادلة مدفيديف التي تقبل أن تكون موسكو في صياغة واحدة للمصالح إلى جانب واشنطن.
الخلاف حقيقي بين مدفيديف وبوتين حول الفلسفة التي تدفع موسكو إلى بقاء مصالحها من بحر الصين إلى غرب المتوسط، وصناعة السياق بين العودة إلى صياغة روسية كمصالح الاتحاد السوفياتي، أي كمصالح تاريخية وثابتة لموسكو [بوتين] وبين صياغة جديدة تشاركية مع أمريكا (مدفيديف( حيث نقرأ الجمع والفارق في هذا الصدد بين الكرملين والقيادة من جهة، ومن جهة أخرى بين الرئاسة ورئاسة الوزراء.
التساؤل مشروع في غرب المتوسط : لم الخلاف بين بوتين ومدفيديف حول ليبيا. هل الخلاف رئيس بين السلم والأبعاد (حسب أحد الدبلوماسيين الأتراك)، أي كيف نصل إلى المصالح وكيف نحافظ عليها، أم أن الأمر متعلق أكثر بتوجهين : تاريخي استراتيجي، وتاكتيكي مع أمريكا يخدم مصالح روسيا في هذه المنطقة التي أصبحت بعد ثورتي تونس ومصر تحت (غلاف أمريكي واحد) تسعى فرنسا أن تتميز فيه انطلاقا من ليبيا للحفاظ على مصالحها، وتعمل فيه موسكو على عدم ترك المنطقة كلياً للتحالف الثلاثي : الأنجلو أمريكي والفرنسي.
الهند نفسها تقع في هذا التقدير، على أن الاتجاهات العميقة لكل ذلك بدأت في أمريكا منذ 1945، وليس الأمس القريب كما يقول كتاب Paul Levine وHarry Papasotirion، فلحظة الولايات المتحدة بدأت مباشرة بعد نهاية الحرب الكونية الثانية America since 1945 : the American moment وهذا الكتاب أعيد طبعه في بريطانيا هذه السنة (2011) بعد طبعته الأولى عام 2005، ويكشف أن ما يدعوه بالحرف الطبعة الاستراتيجية للكون لها أصل، لا يزال يتفاعل في المجتمع الأمريكي من 1945 وإلى الآن، وهذا التمرين في الاعتقاد الروسي لا يحمل كثيراً من الإضاءات، لأن الديناميات الاستراتيجية في عهد بوتين تغيرت باتجاه العودة إلى 1945. روسيا تعود إلى رحمها الاستراتيجي بعد الحرب العالمية الثانية، وأمريكا كذلك. فهل هناك سباق إلى الوراء، سباق باتجاه خارطة 1945 في كل من روسيا وأمريكا. الواقع أن الجديد يحمل تحديثا لاستراتيجية قديمة وتقسيم قديم في العمق – بالتعبير الانجليزي – وفي الأصل – بلسان الروس – وتساؤلنا المغاربي : هل نحن أمام عودة إلى 1945 تعود بليبيا إلى ما قبل ثورة القذافي ومصر إلى ليبرالية تذكر بظلال ما قبل 1952، وتونس إلى البورقيبية الأولى، والمغرب إلى ما وعد به محمد الخامس فجر الاستقلال من ملكية دستورية.
اللعبة دقيقة إلى حد بعيد، ولكنها هي القراءة الوحيدة التي يجمع عليها الاستراتيجيون في روسيا وأمريكا وبعض المغاربة الذين يشاركون في هذا النقاش الصعب.
إننا أمام مجال غير منسي، وإن اعتقد البعض أنه كذلك في وثائقي هولندي لم يوزع في فرنسا بعدما كشف مخرجه Noël Burch أن التعامل مفتوح بين البنية المادية للعولمة، وأساسها : التجارة الدولية، وبين العمل الإنساني، ويدخل في إطار لعبة الاستراتيجيات التي نقرأها في ليبيا. فالصورة تغيرت من قائد يقتل شعبه إلى غرب يقاتل لمصالحه. واختار أوباما أن يبتعد ليترك المجال لقوى نفوذ سابقة. الصورة لا تتعلق بمجال منسي لروسيا تستحضره في ليبيا باتجاه الصحراء (الغربية) لأن المعادلة انكسرت جزئياً، وقابلة للجبر عند أكثر من مختص روسي، بل تقرأ الجزء الفاعل في المعادلة من خلال الصندوق الحديدي للتاريخ، وتحولات التجارة، والطرق الثابتة والسيارة بين الدول المصدرة والمستهلكة.
بوتين يحاول أن يجعل من التاريخ طريقا روسيا، وأمريكا تحاول أن تجعل من التجارة طريقا لها في العولمة. الإعلام – من جهته - يترقب الوضعين معاً، لأن النظام والفعالية من التقدم، لكنهما قد يكونان جزء من عدم التوازن. والواقع أن ديكتاتورية النظام وفعاليتها قبل أن تكون الفعالية منسوبة له تقرأ الأوضاع بشكل مختلف. صورة تذكرنا بالعلم الأحمر إن لم نقل مع بوتين عالم أحمر أفرغه من الايديولوجيا وأبقى الاستراتيجيا لوناً لروسيا الجديدة. المسألة لا تتعلق بلوحة جيش النظام والسرقة في 1894، ولا بعمل ثوري كما حدث في 1917 بل باستعادة بوتين لكيبوتس ينتهي عند هوجو تشافيز في فنزويلا. صيغة الوضع الجديد بين جمالية ما، وتاريخ وعلم وطموح (بوتين). غرب المتوسط يعاني من بداية ثورة على خارطة 1945 ؟ وهذا المعطى – في المنظور الروسي والأمريكي خطير –
الثورة العربية – باصطلاح ساركوزي – ثورة ضد 1945 في نظر موسكو، باريس، لندن وواشنطن. أوباما لا يريد مثل هذا التمثل (من التاريخ) رغم أنه ترك إدارة العمليات لبريطانيا وفرنسا. أما بوتين فقد أعاد الأجواء فعلا إلى 1945.
باريس، لندن وموسكو ثالوث يعيد تقسيم غرب المتوسط إلى 1945، والشعوب الجديدة في مصر وتونس إلى جانب أوباما يرغبون في المستقبل.
هذه الصورة دقيقة إلى حد بعيد من زاويتين :
أن أمريكا مارست حروباً دولية بعد 1945، آخرها ضد الإرهاب حيث جعلت العالم في أجواء حرب عالمية، وتقسيم المصالح أتى بهذه الصيغة ومن خلال زوايا مكررة.
أن أوباما يعمل على حرب الكواليس الاستراتيجية، وليس الحرب على أساس مظاهر (استراتيجية). وهذا التقدير قلل من تشعبات رد الفعل على القوة الأمريكية.
أن التوجهات الروسية بعد بوتين تختلف شكلياً عن الصياغة السوفياتية، وأمريكا ترغب في إظهار موسكو بحقائقها.
إنه تصور لا يمكِّن روسيا من التاريخ والجمالية معاً – بتعبير أحد المعلقين الروس - وقدرة ترتيب الأوضاع يسير باتجاه إدارة أخرى في غرب المتوسط.
دفاع بوتين عن مجرم حرب (القذافي) يعزل روسيا حاليا في مصر وتونس وعوض أن يخدش تورط أمريكا صورتها في المنطقة حاول أوباما أن يعمل على العصبين : لا قيادة لأمريكا، ومشاركة قوية لواشنطن كي لا تموت الثورات العربية في العالم العربي.
على أمريكا أن تحافظ على نصاعة وبياض الثوريين الجدد، فلا تجعلهم حلفاء للغرب، بل مستقلين يحلمون بالرغبة في إرساء ديمقراطية بلدهم. الإحراج قائم لأن صراع المصالح متوافر بدون وجه، ولأن الثورات بدأت بلا وجه وربما لا أحد يريدها أن تكون بوجه ؟
بوتين وضع وجهاً لمصالحه في دفاعه على القذافي بطريقة مواربة، وعن حقوق روسية في ليبيا الجديدة، إن أمكن، وأوباما مع مصالح مركبة ولا ينظر بأي حال إلى مصالح الدولة كمصالح شخص معين، كما قرأ الأوضاع سلفه بوش الابن. القراءة الروسية ترغب في :
ضمان نفس التوزنات في غرب المتوسط، كما عليه خارطة 1945 تماماً، مما يشكل توارثاً قامت به روسيا لكل مصالح الاتحاد السوفياتي ؛ وموسكو لا ترغب في التنازل عن أي منها، وتقبل فقط بإعادة صياغة هذه المصالح.
أن التواجد في قلب شمال أفريقيا من خلال ليبيا يؤسس لعمل يقرأ الوضع على أساس جديد : روسيا لن تستطيع مجدداً أن تصل إلى المحيط الأطلسي إلا عبر القذافي.
قراءة الأوضاع الأفريقية بعد الثورتين المصرية والتونسية اتجهت إلى إعلان بناء الديمقراطية الانتخابية في ليبيا، وبذلك خسر القذافي نظريته إلى الأبد، وخسر الروس معنى قديم لغرب المتوسط ولسوق الأسلحة في هذه المنطقة.
موسكو شديدة الحيلة في قراءة الأوضاع، من جهة لا ترغب في تحالفات مع أمريكا في غرب المتوسط، تريد "سياسة خاصة" بها، ومن جهة أخرى تريد أن يتأسس معنى لتقسيم المصالح يعيد الوضع إلى خارطة 1945، فهل نتائج اليوم تشبه إلى حد بعيد أمريكا في هذه السنة. الجواب : نعم.
لأن القراءة الجديدة ترى أمريكا قوة وليس إمبراطورية، وأن عملها في المحيطات والبحار لا يتجاوز إرثاً مشتركاً للقوى المنتصرة في 1945. هذا التصور ثابت، وأصلي في ذهن بوتين.
لأن قراءة موسكو تذهب باتجاه تقسيم المصالح في البلد المعين، (والحالة هذه : ليبيا) وليس التقسيم حول العالم في خارطة متوافق عليها مع أمريكا.
أن البعد الروسي في العمليات (استخباراتي).
أن التقدم نحو غرب المتوسط لا يفيد سوى حماية سوريا وتحديداً الوضع القديم بين سوريا – إسرائيل بعد التغيرات في مصر وتونس، فموسكو تقبل بالامتداد المغاربي لحركة الشباب، ولا ترى معنى لها في سوريا، كما لا ترى كل من بريطانيا وفرنسا أي معنى لها في لبنان، والخليج يرى الثورة بلا معنى في دوله.
وهذه القراءة السعودية كاشفة، ولا ترغب في أي تدويل أو دعم روسي. الصورة واضحة إلى حد بعيد تؤكد بمجمله أن روسيا لا ترغب في مصالح أفريقية جديدة، بل تحرص على عدم فقدها لأي مصلحة (أصيلة) في غرب المتوسط وبلاد المغرب العربي، فهل هذا مفهوم ؟ بتعبير بوتين.

ماوراء الحدث ص 4 عدد 22

العطالة : معطلون اقتصاديون لإدارة معطلين سياسيين للدولة ؟!



عندما تدخل الدولة في عطالة سياسية يزيد معطلوها "الاقتصاديون"، والمغرب كغيره يكشف هذه المعادلة القبيحة، فالركود الاقتصادي نتيجته في الغرب (المزيد من البطالة). لكن عندما يُعيد النظام تشكيل نفسه على توزيع الثروة الوطنية كاملة في يده، نكون أمام عطالة تزيد عن البطالة في كل اقتصاد.
لقد طرأ أمر غريب في الغرب والدول التي تتبعه، يتمثل في عدم الاهتمام بالعاطلين. ولكل أسبابه.
الأمر متعلق بدفع إجراءات عملية كي تكون العطالة جزءاً من (سوسيولوجيا العمل) وليس ظاهرة منفردة أو مستقلة. الواقع كما يقول بول كروغمان أننا أمام عجز (وظيفي) بحيث لم يطرح الكونغرس أي مشروعات قوانين بهذا الخصوص، كما لم يقترح البيت الأبيض خطط لخلق وظائف. وفي المغرب لم تكن هناك خطط للقصر ولا للحكومة تمس هذا الجانب، لأن كل السياسات تركز على تقليص النفقات أو دعم المواد الأولية أو هما معاً دون تدقيق.
المسألة هنا لا تتعلق بمكافحة، من الجراد إلى الإرهاب إلى دور الصفيح والبطالة... المعركة قاسية وتفشل كل حكومة في هذه المكافحات، لكن أي عقل إيجابي قد يدفعنا إلى استعمال مصطلحات التحفيز، خطط لخلق وظائف، إيداع رؤى اقتصادية "ماكرومالية" لتشجيع استثمار منتج للوظائف.
إننا أمام كتلة بشرية محصورة، ونظام يحاصر الأفكار. فأنتج قبل كل شيء "عاطلين سياسيين يديرون الدولة بلا أفق وبلا عقيدة، ولا خيال ببساطة الذي يحكمنا حالياً بدون إبداع.
هل نعرف ذلك ؟ ربما، لكن الشيء الرئيس الذي يجب أن نفهمه : الحرب على البطالة أو مكافحتها، بالمفهوم العسكري أو بالمفهوم المدني الإبداعي، قرار دولة يدوم بدوام الشعب، والوظيفة السياسية لمكافحة عدم الوظيفة الاقتصادية "بند حيوي واستراتيجي" لأمن كل نظام ودولة.
ربما لا يكون الوضع بهذا السوء، لكن نسيان الوظيفة السياسية لخلق الوظيفة الاقتصادية أمر غير مُجْدٍ، وغير نافع. من جهة يواجه الغرب متوسط بطالة لم يسجل منذ الحرب العالمية الثانية (37 أسبوعاً من أصل 52 في السنة) وفي الدول النامية تجد النسبة مضاعفة : 500 في المائة، والعدد أفقي، أي على صعيد المنتمين للبطالة بالفهم بالإحصاء الحسابي، ليكون 400 أسبوعاً حدا صعباً تجده عند حملة الشهادات.
القول جازم في أن طريق العطالة يخلق اليوم طبقة – لأول مرة في تاريخ البشرية – وقد تكون ثورة تونس ومصر انتفاضة لهذه الطبقة مسنودة بتعاطف اجتماعي للطبقة المتوسطة التي ترغب في مثال يمكن أن يحل هذا المشكل. البحث عن نموذج في الحكامة جزء من الحل لإنجاز حكم ديمقراطي، وجدلياً يمكن أن يكون الحكم الديمقراطي جزءا حيوياً وعصباً مركزيا لإنجاح الحكامة.
جدلية الحكم والحكامة طرحها العرب أخيراً في ثورتهم، وهي إجابة واقعية لحل مشاكل مستعصية. لأن المبادرة يفرضها النظام في يده، ويعرقل ما عداها. وأن يتمكن أي مجتمع من الحرية هو تحرير له من الدولة ليراقبها ويحسن مردوديتها.
ربما تكمن اللعبة في جزئين : أن الدولة تسمح بإظهار معدل بطالة وبطاليين لتحسيس الآخرين الحاصلين على الوظائف بالأمان أكثر.
الشيء الآخر، أن ما يدعى مكافحة البطالة لن يكون دون مكافحة الفساد. الحل في المغرب قد يركز على إلحاحية أخرى، أن التحول إما أن يكون استراتيجيا أو تبقى الأزمة في محلها.
الاقتصاد المغربي شهد انخفاضاً شديداً على مستوى التوظيف والدولة عرفت في هذه السنة ارتفاعاً في معدله. فالأمر يتعلق بنجاح اقتصادي بل بالحلول الطارئة، ويعني في الوقت الحالي أن محاربة البطالة تبدأ من خفض الفصل من العمل.
الناخبون في المغرب – للأسف – لا يهتمون في تصويتهم بخلق شعبية حول برنامج معين إن تضمن خلق وظائف، فالحجج الاقتصادية المستخدمة لما يدعى التوازنات الماكرو اقتصادية وهي ماكرو مالية بالأساس حجج مهزوزة ومكرورة إلى حد بعيد.
العجز بالموازنة جزء من هذه القصة، وهي نفسها غير دقيقة، وبالتالي نرى أن المستثمرين يطالبون بتقليص النفقات، والمناولون المحليون يخافون من تقليصها، وعلى الفور هناك إعادة تركيز للثروة لا يخدم معايير السوق الحر والتنافسية، ويرفع الاحتكار في المال والسلطة إلى حد يعيق عمل الدولة وتحضر السلطة لتدير المرحلة.
تقليص النفقات (البرتوكولية) الشديدة التكلفة هو الذي يجب أن يعلن المغاربة عنه، كما أن توازنات السوق المالي يجب أن تكسب مصداقية بين المواطنين، وأن تكون الحرب على الفقر (بنيوية) وليست (بيروقراطية) عبر الداخلية والمبادرة التي احتكرتها للتنمية البشرية.
أن يدير الأمن التنمية البشرية خطر على الجميع، على أن الإصلاحات المجزوءة أخطر بكثير على مستقبل الجميع.
من ناحية الرأسمال، تحدث الاقتصاديون (الكنزيون الجدد) عن إجراءات لخفض الإنفاق لتحقيق المعجزات، لكن هذه الإجراءات محدودة من زاويتين : لم ترفع من معدل الثقة، ولم تساهم في محاربة البطالة، وإجراءات التقشف القاسية التي عملت عليها بريطانيا منذ مايو الماضي لم تصل إلى أهدافها كاملة.
في أي اقتصاد نجد أن التطميات تتجاوز التحذيرات في أوساط المصفقين وتنعكس كليا عند المعارضين، لكن الواجب أن يكون الإنفاق منتجاً، وأن تقبل أي إدارة خططاً لإنتاج وظائف، حتى لا ينتهي هذا الفكر إلى مدرسة هربرت هوفر الاقتصادية.
إن الغرب يبحث من دون توقف عن الطريقة التي تمكن من خلق الوظائف من نفس التوازنات الماكرو مالية، والاختلاف غير كبير بين المدارس الاقتصادية في طرح الحلول.
والسؤال : إن استمرت الدولة منذ عهد الحسن الثاني في سلك نفس القناعات فإننا أمام ليبرالية متوحشة لأنها لا تحارب الفساد. وفي نقطة أشار إليها أكثر من اقتصادي، فإن الفقر بنيوي من واقع أن أضراراً دائمة تقع في عائدات (لا تتحرك)، وإن اعتمدنا على متوسط البطالة في المملكة كمؤشر، سنجد أن تكييفات السوق مع الوظيفة غير تامة ولا متطابقة، لذلك فالخطر الجلي الذي يبقى في المغرب : أن تتضاعف البطالة بشكل هيكلي، ومركزي، وفاسد. لذلك المعركة ضد البطالة معركة الاقتصاد والاجتماع نحو الديمقراطية، وبعد 10 سنوات سنجد الدولة قادرة على التصدي.




اقتصاد  عدد 22

هل الجزائر والمغرب دول مؤقتة ؟


الصورة قلقة إلى حد كبير في المغرب العربي (أو الكبير) لأن بغير الديمقراطية الجذرية لا يمكن أن يكون أمن المغرب في الجزائر وأمن الجزائر في المغرب مؤكدا وشعبيا.
الرباط تواجه في جنوبها وفي الشرق حدوداً مؤقتة، وتعاني الجزائر من أزمة تاريخية لأن حدودها الغربية مؤقتة مع المغرب. لا أحد يريد المواجهة وكلاهما يختال في فتح الحدود. إذن الحدود "قنابل مؤقتة" في هذه المنطقة قد تزداد سوءاً مع مملكة القذافي ب 6 أولياء عهد، كل يرغب في أن يكون له مملكة، والثوار يواجهون من أجل الجمهورية بدون قذافي ؟ والديمقراطية بدون لجن والميادين بدون لون أخضر.
ربما يكون موت العقائد الدولاتية الضيقة في هذه البقعة طريقاً سريعاً وواسعاً ومباشراً لسوق مفتوح وديمقراطية مفتوحة، بعد أن دخل العرب في عصر المجتمع المفتوح.
المغرب العربي الجديد بدأ غربا في تونس، ويقاتل من أجل الحرية في ليبيا، ويتظاهر تحت القمع لاستكمال الدائرة. لأن ترك تونس وحدها في جوار ديكتاتوري كامل جريمة، كما أن ترك الشعب الليبي للقذافي جريمة، وترك باقي البلاد لانتقال وهمي نحو الديمقراطية جريمة... الجرائم هنا واحدة.
ليبيا لم تكن سوى سلطة، والفارق بين السلطة والدولة هائل، تونس تحولت فيها الدولة إلى سلطة وثار الشعب لتبقى الدولة، والسلطة الجزائرية والمغربية يريدان الإصلاح. لكن المعنى الجامد يسود، وله أنصار أقوياء في داخل كل هياكل الدولة.
الحكم الذاتي قد يكون حادثة دولية، لأن استيعاب الصحراويين لن يكون بفعل السلطة بل بقوة الدولة ؟ والحدود بين الدولتين الجزائرية والمغربية ستكون حادثة إقليمية ومسا بالتاريخ والشعوب إن لم ينجح مشروع الدولة في الجزائر والمغرب. هل أنا مفهوم ؟ لأن غرس السيادة لن يكون قبل الديمقراطية ليمنع الجميع من العض على الأصابع ؟
إن المطلوب تقرير مصير جديد لكل شعوب المغرب العربي، كي تنتقل السلطة في هذه البلاد إلى (دول)، وكي يتمكن القانون الدولي من تسوية كل ما هو عالق، رايس أرادت أن تفتح المجال لهذا التحول، لكن الرباط والجزائر رفضتا الخطوات الأولى بطرق ملتوية، ويرفضون الآن بنفس الطرق. وأوباما في حديثه الأخير إلى كلينتون قال : لابد من حسم ! الآن أنا مع واتارا، ومع روس. هل يريد أوباما أن يتوحد شمال أفريقيا في الديمقراطية والاقتصاد والعمل المشترك.
لا شيء في أمريكا أقوى من الديمقراطية، لأن واشنطن عندما تتعامل حاليا مع أي نظام تراه كملعب ذاتي الدفع، حاكمه رئيس مرمى مفزوع يسجل على نفسه الهدف.
الجزائر تخاف التدخل لحماية الأبرياء من الجيش، فتمنع مجالها الجوي عن أمريكا والناتو، والمغرب يرغب في الديمقراطية ويخاف منها، ويدخل في دعم المتظاهرين ضد القذافي بقناعة فرنسية.
بوتفليقة ذكي، يعد خطاطة خطيرة لإزاحة كامل قوة الجيش وكابوسه عن الرئاسة. لقد قبل بدبلوماسية أن تكون الأجواء مفتوحة للأمريكيين، ورفض أن تطير في سماء بلاده الطائرات الفرنسية.
تونس سمحت لأجواءها أن تكون في خدمة الطائرات لحماية الثوار. وفي كل الأحوال، يرى الرئيس الجزائري أن الشعوب المغاربية تدخل في تقرير مصيرها الثاني ولا يزال شعب مغاربي لاجئاً في الرمال.
الجزائر لم تدرك أن لعبة المفاوضات دخلت حالة انعدام الفعل، الشلل، والبحث الدقيق كما يريده الصحراويون المغاربة في هذه اللحظة، ومن ثم تكرار هذه الأقوال.
بوتفليقة يتقن اللعب المفتوح والمغلق معاً، ويدرك كيف جرح ساركوزي حينما قرر إغلاق أجواء بلاده على طيران فرنسا. قال : لا زلت أحس بما يفعله الاستعمار !؟ أي يذكر صور الطائرات الفرنسية التي قتلت شعبه، ولا يمكن أن يسمح لمن لا يريد الاعتذار عن جرائم فرنسا في الجزائر أن يطير فوق سمائها. كلام في غاية التأثير.
ذكاء بوتفليقة واضح سيدخل بلاده في مرحلة أخرى، لأن مجرد إخراج السلطة من العسكر إلى قصر مرداية "نصر آخر"، فالديمقراطية أجهضت في صناديق الاقتراع. صحيح أن الإسلاميين لم يكونوا ناضجين كالغنوشي أو بديع ؟! لكنهم قاتلوا من أجل الحرية.
الإسلاميون أدركوا أن عليهم أن يتنحوا جانبا، وأن يكونوا شركاء في الفعل المدني. فعلوا ذلك ونجحوا، في تركيا، مصر، وتونس... وسيسود معنى آخر في تربية هؤلاء قبل أن يتعلموا الديمقراطية عليهم؛ أن يتعلموا المشاركة، وفي هذه الكلمة سر كل المجتمع المدني.
بزعمِ بوتفليقة، القوة السياسية لكتلته، لا تكفي لإحداث التغيير، وسلطة الجيش وراء الديمقراطية وليس أمامها، كما في تونس ومصر. العسكر يدير المرحلة الانتقالية المحدودة عوض فترة غير محدودة في الجزائر.
الجيش في الجزائر سيقبل تحديد المرحلة الانتقالية والتي لا تعني بعد وقف إطلاق النار سوى نهاية حكم بوتفليقة. هذا الوضع يتخمر ويجعلنا ننتظر. في واقع جديد قد يجعل قلب فرنسا في ليبيا، وقلب أمريكا في الجزائر. هذا انقلاب صعب في الأدوار والقوة.
المغرب يطلب تمويل إصلاحه قبل أن يبدأ، والجزائر ترغب في انتقال كامل إلى استراتيجية أمريكا. بوتفليقة – بذلك - يريد صفقة كبرى بين جيش بلاده وواشنطن قبل أن يخطفه الموت. هناك فرصة يتردد أمامها أوباما، وأمريكا في ترتيبات الإصلاح التي قبل المغرب أن يدولها لإسكات الداخل وتحسين صورته، لإنجاح اختراق في الصحراء الغربية، وباقي المنطقة لتحويلها كليا إلى حزام ديمقراطي يضغط على ساحل العاج وغيرها من التجارب التي تشبه القذافي، ويشبهها القذافي.
غباغبو هو القذافي غير العربي ؟! هل يمكن أن نقرأ الأمر بهذه الجملة البلاغية، الأصل في التحول أن يكون قناعة شعب ليكون واقعيا، والسلطة التي تستطع أن تحول الدولة من دولة مؤقتة الحدود إلى دولة ذات حدود نهائية يجب أن تنتهي لقيادة أخرى.
بداية علينا أن نعلن الديمقراطية خياراً استراتيجيا للحكم والحكامة في كل منطقة الشمال الأفريقي. وأي توانٍ عن هذا الخيار سيعزل أمريكا ويعرض مصالحها لعدم التوسع. الديمقراطية رغبة الشعوب للدفاع عن مصالحها. ولابد من التفاوض معها في هذه المرحلة بعد أن تكون قائدة لحكم الأوطان والدول في منطقة ينظرها ساركوزي النصف الآخر لأوروبا. فهل يمكن أن تكون نصفنا الآخر في اتفاق تبادل تجاري حر، وشراكة حرة ؟!

جون فنهارت ما وراء الحدث عدد 22

دسترة الأمازيغية


عندما تطرق إعلان 9 مارس الدستوري لمملكة المغرب عن دسترة المكون الأمازيغي تخوف القارئون لما ورد على لسان الملك من اعتباره الأمازيغية مكونا مغربيا، وعدم قوله صراحة أن الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية لغة القرءان الذي جعل الإسلام دين الأمة الرسمي، فرسمية هذه اللغة (العربية) أتت من الدين الرسمي للبلد تماماً، فهي لغة إمارة المؤمنين، وليست لغة وطن أو شعب، كما يعبر البعض، ونراها ليست لغة الإدارة (الفرنسية) أو لسان الشعب المغربي الذي يعرف تعدداً لغويا بيناً.
ربما الترجمة الحرفية للفظ مكون principle في خطاب 9 مارس، وترجمة principle كلفظ دستوري قديم بكلمة "مكون" ترجمة أراها دقيقة إلى حد بعيد، مما يوحي بأن المكون بمنطوقه مؤسسي وأصيل ومبدئي من دونه يسقطُ الدستور وبه يكون، وهو المعنى الحرفي لما يقصده الأمازيغ قاطبة، فالاعتراف بلغة ما يأتي على سبيل التداول وينتهي به، على أن لفظ مكون أصيل ومبدئي وعنوان أمة، ولو لم يتحدث الأمازيغية واحداً من المغاربة مستقبلا.
وأرى اللفظ الملكي دقيق الاستعمال مما يكون به تأسيس عقد الدولة، والدستور قانون مؤسس جمعي أو لجماعة، والمكون له لا يكون مؤسِّساً بل ممثلاً للأمة، وفي هذه الحالة لا يكون المغرب بمكون واحد، أمازيغي، بل بمكون حساني وعبري مغربي، والمكون الحساني بدوره لا يمثل فرداً أو جماعة بل عمقاً تاريخيا لشعب البيضان، لما له من حدث وحق في توحيد الدولة، ويمكن أن تكون اللغة الرسمية هي الحسانية في سلطة الحكم الذاتي إلى جانب العربية، لكنها تبقى مكوناً principle في الدستور المغربي، لأننا أمام حق مركزي يؤسس عقد الدولة والأمة ويسقط به.
من جهة أخرى، الأمازيغية حق متحدث عنه، والحق الدستوري في المساواة يكون بالحق غير المتحدث عنه unspoken كجزء من التشكيل الدستوري، فإما أن نذكر الكل، أو نعمل على مساواة الكل بعدم ذكر أي من لغات وتفاصيل المغاربة، تشمل ما له علاقة بالفرد أو الجماعة المغربية، إلى جانب القدرة على التسوية والحياة المستقرة، والمساواة الاقتصادية والاجتماعية، والمجتمع الحر التعددي، وقياس التجربة الدستورية (الحسنية) empirical attitude، وتعتبر هذه المعالم شروطاً لانتقال الدولة أو النظام نحو الديمقراطية.
نحن أمام المكون الأمازيغي والحساني والعبري المغربي، أسساً للدولة في العهد ما قبل إسلامي والإمبراطوري (المرابطي والموحدي)، والملكي وقد يكون الأخير سمة لأكثر من 3700 سنة ق.م وإلى الآن مع اختلاف التأسيسات القديمة، وواقع الحال أن لغة الدين إن اعتمدها الشعب لغة رسمية كما فعل الملك جويس بإنجيله كانت أداة وحدة وتاريخ ومعنى مشترك، وخرجت من قاعدة المنتمي لها إلى المتحدث بها (من تحدث العربية فهو عربي)، فإن ذهب الأمر إلى هذه الصيغة جاز اعتبار المغرب عربيا لتحدثه العربية لغة دين، حيث الدين دين أمة، وانتقالها من لغة الأمة إلى لغة الدولة لا يحمل سوى هذه الصبغة لا غير. وتكون باقي اللغات وطنية.
في الأصل اللغة الرسمية مجرد stable standard معيار قار لمتحدثها في مجتمع حر وتعددي، ولا تتجاوز ذلك، فإن اعتبرنا الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية لم تعد معياراً قاراً فيسقط بها العقد. فإن اخترنا الأمازيغية لغة رسمية للمغاربة جاز لنا ذلك، لأن الواقع الدستوري يقبل بكل اللغات الوطنية فتكون كل لغة وطنية لغة رسمية بغير تنصيص أو أن نختار لغة واحدة، تكون في الأغلب لغة كتاب مقدس، ولا تحمل طابعاً آخر.
اللغة الرسمية في الأعراف الدستورية هي اللغة التي كتب بها أول دستور، ويكون هذا المنطق الرمزي حاسما لوحدة الأمة والدولة، وإن كان المسلمون يعتقدون بالقرءان دستوراً، ولغته عربية، والعربية أول لغة كتب بها دستور للمملكة، نكون أمام لغة تشكل معياراً قاراً لأمة، وتكون باقي اللغات لغات وطنية أرى أن دسترتها كمكون يعد أساساً لكل قاعدة، فالمغربي اليهودي يجد في مكونه العبري أساساً في العودة إلى بلاده، يتخلى فيه عن حق مزعوم واحتلال لأراضي الغير، ويعمل على تعزيز مواطنة دستورية لكل اليهود المغاربة. وكل مكون شرف واعتزاز لتاريخ وأرض هذا الوطن، لأننا منذ هوبس نعترف بالحرية الوطنية، جهوية كانت أو عرفية، وهذا الثالوث يكرس للحرية والتحرير معاً liberating لأننا أمام استقلالات تؤسس لقاعدة قد تكون مركبة من الجماعات واللغات والأديان.. لكنها في الأصل وحدة من التاريخ والدولة والحرية السياسية والسيادة الشعبية، وهذه مبادئ الليبرالية الأولى التي عرفتها أول مملكة في المغرب قبل 3700 سنة قبل الميلاد، ونطقت (الفيمانينغا) لغة واحدة لكل الجغرافيا المغاربية، وكانت إلى جانبها على الأقل لغتان.
هل يمكن أن نعي أن دسترتنا لكل المكونات المغربية جزء من حضارتنا التعددية ؟ من زاوية أن كل ديمقراطية في الأصل هي معيش واقعي living reality كما قال لنكولن (Liberalism and social action, p. 92) ومعيار قار وقاعدة صلبة (دستوراً أو قانونا).
والمكون الحساني واقع في المغرب، وتراث صلب ومعيار لهوية في الجنوب، بل يزيد عن ذلك بأنه منتج لدولة حكمت المغرب (المرابطين)، مما يعني الاعتراف به اعتراف بتاريخ أصيل، وتواجده محافظ على الدولة، ويعتقد الملك هنري الثالث في مملكة بريطانيا أن هذه الشروط الستة تكفل له إعلان تراث بلاده بعد الحرب الأهلية بين 1641 و1660 "تراثا سياديا".
وبعد الحرب في الصحراء (الغربية) نجد أن التراث الحساني مكون سيادي بالنسبة للمملكة المغربية يجب اعتباره وتثمينه ودسترته.
يقول (يوسف دي ميستر) المتوفى في 1821 : إن كل مجتمع سلطوي قديم يتمكن من جعل ما يراه واقعيا، والمحافظة المبنية على القبيلة الصحراوية تبدع هذا ، وأرى أن التعامل على أساس ذكي وبمقاربة تطورية يمكن أن ينجح معه الإيمان بمجتمع تعددي بهدف الوصول إلى دستور واحد، أكثر مما يعتقده المتزمتون والمخزنيون الذين يعودون في تفكيرهم إلى ما قبل 1821 م.
قراءتنا لمفهوم (المكوِّن) من سفر التكوين (والخلق) هو الذي يمنح فاصلا بين الشيء الرسمي والمكون للدستور، فالمكوِّن الدستوري يُسقِط الدستور إن لم يتضمنه مرة أخرى، لكن كل رسمي يستفتى عنه، فتكون لغة ما رسمية في فترة ما ولا تكون في فترة أخرى.
الملكية نفسها مكوِّنٌ في المغرب، أدركها الحسن الثاني بذكائه المعهود وقال إن المغاربة لم يعرفوا بنية للحكم غير الملكية في تعليل انقلاب أوفقير الذي أراد أن يحكم البلد بسيطرته على مجلس الوصاية بقتل الحسن الثاني وترك ولي عهده.
قولنا الأمازيغية مكوِّن دستوري بمعنى "بنية" دستورية عند الفرنكفونيين (الناطقين بالفرنسية)، وبالتالي أرى أن الحسانية بنية دستورية كذلك ليكتمل المعنى الدستوري.
الحسن الثاني صنع دستور دولة، ولم يستطع أن ينجز دستور أمة ؛ دستور الأمة المغربية هو رهان حقيقي لمحمد السادس، وإن لم ينجح المغاربة في إنتاج هذا الدستور العصري الحديث ضاعت المملكة قريباً، لأن لا خيار إلا أن تكون الملكية الثانية ملكية الأمة المغربية أمام خياراتها الجديدة في الحكامة الترابية : الحكم الذاتي، الجهوية المتقدمة والحكم اللامركزي؛ هذه الأشكال تدفع إلى سيادة فاعلة لهذه الأمة، على الجميع أن ينصت إليها ويحترمها ويكون بقدر المرحلة وقَدَرِها.
يقول Hearn Shaw في جملة بديعة : الحضارة إما أن نعتقدها وردة أو نفكر فيها للحفاظ على ما نحن عليه من بربرية مترفة تكون تقليدية دائماً.
هل سننتج معنى مغربياً لا يتلاءم والتاريخ تحت دعوى الخصوصية أو نكون منتجين لمعنى تاريخي في ملاءمة مع المحيط، فيكون الاستثناء إيجابيا ؟
الدستور الجديد عليه أن يقرر المعنى الاجتماعي للمكوِّن الدستوري، قبل أي معنى آخر، حيث لا يمكن في إطار الاعتراف بالمساواة سوى المساواة في الاعتراف (الرسمي) بالجميع، هذا المعنى دقيق لأن العنصر element ينادي لممارسة سلطته؛ فإما أن يمارسها في حديقة القانون أو يمارسها خارج الجدران، ولا تسأل لماذا يحفرون لإسقاطها. إذن قوة الدستور في الاعتراف بكل المكونات المختلفة والمؤسِّسة للحياة المغربية (ليس على أساس القوة بل على أساس التواجد).
عندما كنا ندرس معنى التقليد الدستوري والاجتهاد الدستوري، كنا نقرأ كيف نحترم الحديقة وخلفها، لأن كل قانون صيغة، تقليداً كان أو سلطة، وتعديل الدستور تعديل سلط لتتوازن، واعتراف بتقاليد جديدة بصيغ جديدة شاملة لا تقبل في عمومها الطعن.
وفي حالة المكوِّن نحن أمام عالم يتأسس به، ويكون علامة فارقة لتغييره، هذا الوجه في المسألة الدستورية يتقرر عنها (أنها حل لمشكل)، ويكون both historical and constitutional التاريخي دستوري والدستوري تاريخي بحكم تقديرات التغير، فالتعديل الدستوري صورة من الإنسان المغربي في مجتمعه ومع مجتمعه.
هذه ديناميكيات الصيغة الدستورية بحيث نقرر أن إمارة المؤمنين بنية دستورية مغلقة ورمزية إن أردناها إمامة صغرى لا قداسة لها، والأمازيغية بنية دستورية للمغاربة عليهم أن يحددوها، والحسانية كذلك، واعتماد كل البنيات مغلقة أو مفتوحة قد يشكل ديناميكية أخرى، أو رمزيات لوحدة وطنية تنطلق إلى الأمام لبناء ثقافات جديدة. سؤال العموم في غير محله، فعوض أن يسأل هل الملكية برلمانية أو دستورية ؟ نريد معركته أن تكون حول : حكومة دستورية تحتكم إلى الدستور فقط فيكون الجميع بما فيه الملك تحت سقفه.
فكل اختصاص جديد لرئيس حكومة منتخب هو توسيع لصلاحيات صندوق الاقتراع، وبالتالي سيادة الشعب، فلا يهم كل مواطن سوى أن ينتبه إلى أمرين :
لماذا لا يتحول انتخاب الوزير الأول إلى الاستشارة الشعبية المباشرة عوض أن تكون غير مباشرة عبر الحزب.
ما هي اختصاصات رئيس الحكومة كمؤسسة وسيادة واختيار من الشعب وإليه.
هذه معركة أولى يأتي إلى جانبها العمل على دسترة كل مكونات الرمزية المغربية، وفي معركة ثالثة، كيف يمكن أن نحافظ على إمارة المؤمنين كمعنى دستوري وليس كسلطة دستورية.
هذا التقدير يخدم في جانب منه الدولة العصرية التي لا تقبل الصيغة المطلقة، ولا التنظيم الفيودالي الملكي، وتعمل على الحقوق Criss-Crossing المؤسِّسة والمؤسَّس عليها، أي أن الحقوق متصالبة، فتكون بنيات التأسيس والأساس معا.
اقتناعنا بهذه العقيدة الدستورية، أن الدستور حقوق متصالبة هو ما يمنحنا الحق الرئيس لنكون مواطنين.
بلغة قرءانية، هناك حق وعين الحق وعلمه، فعند علمنا بالحق نشهد على أنفسنا بحقوق الغير علينا، لأننا ندرك ما لله علينا ولما لخلقه، فيكون هو عين الحق، ويكون علمه مطلق بذاته، وعلمنا بالحقوق ما يكون علينا ويكون لنا وهذا ما يدعوه الغرب Criss-Cross في كتابة الدستور، حيث يرى الحق ويؤسس عليه حقوقاً.
قولنا الأمازيغية مكوِّن دستوري حق عام يؤسس حقوقاً أخرى ثقافية واجتماعية وسياسية، والحسانية على نفس المنوال.
وحيث أن الدستور ميثاق جمعي لحقوق متصالبة مؤسِّسة ومؤسس عليها، فإن إخراج دسترة هذا المكوِّن يتجاوز تقنينه بل يصبح رؤية.
دسترة الأمازيغية كما ورد في خطاب 9 مارس حق مؤسِّس، والعمل على اعتبار الحسانية على نفس المستوى ومن نفس الحق يمكِّن بعض الساكنة من حكم ذاتي أو إدارة ذاتية أو جهوية متقدمة أو غيرها دون المساس بالوحدة أو الديمقراطية، وأرى أن تأسيس دستور على الديمقراطية يأتي بالوحدة، لكن أي تأسيس دستوري على الوحدة قد يذهب إلى نقيضها (الانفصال).
والوعي على غير ما يكرره الجاهل أو العنيد أو القاعد في مكانه ؟!

على حد السيف بقلم عبد الحميد العوني عدد 22

ثلاث وثائق خطيرة تكشف أزمة حوار الفاسي الفهري وكلينتون


في أجواء لقاء وزير الخارجية المغربي وكلينتون طرأت تطورات أثارت مخاوف الرباط، أولا، إن تسلم الحلف الأطلسي (الناتو) قيادة العمليات ضد ليبيا لتطبيق قرار من قرارات مجلس الأمن، سيؤدي مثل هذا الوضع إلى توسيع دوره في كل المنطقة المغاربية، بما يؤهله أن يعمل في الصحراء (الغربية)، والمملكة احتاجت إلى بعض التطمينات من الخارجية الأمريكية حتى تتجاوز مخاوفها. فمن جهة، واشنطن لا ترغب في دور قيادي لها في المغرب العربي، وتحافظ على مصالحها بما يكفل لها الوصول إلى أهدافها "كاملة".
ثانيا، فرنسا ترغب بوضع كل الصلاحيات تحت تصرف "مجموعة الاتصال"، وذلك لقطع الطريق على تسلم الحلف الأطلسي قيادة العملية العسكرية، ومن أجل الاحتفاظ بهامش واسع من المناورة وتحديد الأهداف السياسية (كما تقول إحدى وثائق الإليزيه) ومدى مطابقتها لما ورد في القرار الدولي. تراجع أوباما عن قيادة قواته للعمليات ضد القذافي، وتركها للحلف الأطلسي عارضها ساركوزي الذي يرغب في عدم قيادة أمريكا لهذه العمليات ونقلها لفرنسا وبريطانيا ؟!
إنه خلاف عميق وصل حد قلب الحقائق، ففيما قالت المصادر الأمريكية أن الاتفاق تم على أن يلعب الحلف الأطلسي (الناتو) دوراً محوريا، أذاع قصر الإليزيه بيانا مختلفاً جاء فيه أن الرئيسين الأمريكي والفرنسي اتفقا على أشكال تستخدمها القيادة التابعة للحلف الأطلسي في عملية دعم التحالف، وهذا بعيد كل البعد عن (الدور المحوري).
الخوف من دور متنامٍ للحلف الأطلسي في شمال أفريقيا يقرب الناتو من إدارة أي مرحلة انتقالية أو نهائية في (الصحراء الغربية)، هو ما يحرك المغرب، وساركوزي يدافع عن (خفض مهمات الحلف الحالية في ليبيا كي لا يكون له انعكاس على باقي القضايا في المنطقة) حسب الوثيقة.
ساركوزي لا يريد أن يفقد دوره أو أوراق ضغطه في الصحراء (الغربية)، وباقي الملفات العالقة في المغرب العربي. وتتحرك باريس لتأكيد أن ليبيا من عمق المغرب الكبير، ومن منطقتها الخاصة. حيث أعلن آلان جوبيه، وزير الدفاع أمام البرلمان أن وسائل الاستطلاع الفرنسي نشطت في السماء الليبية منذ الخامس من مارس أي قبل 15 يوماً من انطلاق العمليات العسكرية.
المغرب لا يريد أن يدفع ثمن الخلاف الأمريكي الفرنسي في ليبيا واستراتيجية كل منهما في المنطقة، ولذلك حاول فتح حواراً مع كلينتون، فقرر :
أن يكون إلى جانب فرنسا، وأن يكون في الموقف إلى جانب واشنطن التي لا تريد قيادة وهو لا يريد مشاركة عملياتية متقدمة.
لا يرغب في مشاركة عسكرية ضد القذافي خوفا من أي انتقام ضد جاليته في ليبيا، وفي نفس الوقت مع العمل الدولي لحماية المدنيين، وما دام الهدف هو حماية المدنيين فإن المشاركة الرسمية في العمليات قد تحرم المدنيين المغاربة في ليبيا من الحماية.
هذه الصورة تفهمها الأمريكيون قبل لقاء الفاسي الفهري لكلينتون، على الرغم من إدراك الجميع أن آلان جوبيه هو العقل السياسي للعملية الدولية ضد ليبيا، ويقطع مع أمور ثلاثة.
استخدام الجيوش لضرب المدنيين، ولن تسمح فرنسا بأي تغطية جديدة بعد أحداث العيون لاحتمال تورط الأجهزة المغربية في العنف ضد المدنيين. فساركوزي الذي ناور لعرقلة إرسال لجنة تحقيق دولية إلى العيون، قابله تصور آلان جوبيه الذي ساند استصدار قرار البرلمان الأوروبي لإرسال هذه اللجنة ؟! والطرفان اليوم يتحركان من ذات الحكومة.
رفض ضرب المتظاهرين من طرف الجيش النظامي في المملكة.
آلان جوبيه وساركوزي اتفقا على رفع أي استخدام مفرط للقوة يشتبه في ارتكابه لجرائم إلى مجلس الأمن، ويقصد بالحرف : المغرب والجزائر.
إنه تغير كبير في عقيدة الفرنسيين الذين عرضوا في وقت سابق على زين العابدين بن علي مساعدته لقمع التظاهرات والانتفاضات التي عرفتها تونس.
هذا التحول يخيف الرباط والجزائر العاصمة، وقد يؤدي في حال تعمق الخلاف بين باريس وواشنطن إلى (تشدد الموقف الأمريكي) ضد تصرفات نظامي محمد السادس وبوتفليقة، ولذلك طار كل منهما إلى إدارة أوباما لاستجلاء الأمر وتوضيح نظرتهما للتطورات وأخذ التطمينات لأن وثيقة سرية للبنتاغون كشفت عن تحولات ثلاثة.
أن فرنسا تختار ليبيا لتكون مركزها في إقليم المغرب الكبير في مقابل اختيار أمريكا للجزائر، لما تعرفه العلاقات الأمريكية – الفرنسية من تطور، من غير استحضار لظلال التاريخ الاستعماري الذي يمنع من تقدم علاقات باريس والجزائر العاصمة، ويمنع إيطاليا من أي دور في الموضوع الليبي كما نبه إلى ذلك أوباما في حواره مع ساركوزي قائلاً : لا نريد أن يكون ما مضى (بين طرابلس وروما)  معرقلاً لتحول عميق يطمح إليه شعب ليبيا.
أن فرنسا تسمح لتقدم أمريكي انطلاقا من الجزائر اتجاه الصحراء (الغربية) والغرب المغاربي في مقابل تقدم فرنسي اتجاه ليبيا. هذا التحول قد يؤثر جذريا على صورة الحل في الصحراء (الغربية) ومستقبل نظام المملكة عموما، وأمريكا عراب عدم تحرك إيطاليا في مقابل ضمان كل مصالحها في ليبيا الجديدة، ومع تحول يقوده النظامان في الجزائر والمغرب لإنجاح التحول، وحوار الفاسي الفهري مع كلينتون وإن لم ينفذ إلى البحث عن تسوية إقليمية شاملة، فإنه حمل تطمينات لجعل التحول في صالح الديمقراطية، وبالتالي حل ديمقراطي في الصحراء (الغربية).
هذا التقدير يعمل عليه المغاربة. إنهم يريدون ثمناً إقليميا لتحول نظامهم إلى الديمقراطية. فالنظام يتصرف على أن الديمقراطية حاجة إقليمية، وليست حاجة داخلية. وهذا الأمر مرفوض.
تقول الوثيقة (لا ثمن إقليمي يمكن أن يدفعه الأمريكيون أو الفرنسيون) هل وصلت رسالة المغرب بشكل خاطئ.
أن أوباما يقرر سياسة الصمت اتجاه المغرب والجزائر، ويترك لمجلس الأمن، البنتاغون والناتو تقرير العمليات وحدودها. الواشنطن بوست طلبت من الرئيس الأمريكي الصمت بشأن ليبيا نفسها (مقال آن أبلباوم) وهي خلاصة الكونغرس قبلها، والسيدة كلينتون كررت المقدمات والمواقف التي يعرفها الجميع في لقائها مع وزير الخارجية المغربي.
إنها سياسة الصمت التي يبدع في تحريكها أوباما في المغرب العربي.

+++ أمريكا تعمل طائراتها لأول مرة من المغرب إلى ليبيا مرة واحدة دون توقف – حسب البنتاغون –
والصمت سياسة ضرورية في الصحراء (الغربية) بمصطلح أوباما
لم تكرر كلينتون سوى مواقف سابقة لبلدها في (الصحراء الغربية) بمقررات مجلس الأمن، ولا ربط بين الحكم الذاتي وإصلاح الدستور في المملكة. لأن الصحراويين لم يطالبوا بدسترة الحكم الذاتي، والمراقبون ينتظرون. أوباما إلى جانب الدعم المطلق لكريستوفر روس، فجولة مالطا لم تكن أكثر من عزل قضية الصحراء (الغربية) عن سياسات الدول باتجاه تعميق دور الأمم المتحدة، وتفعيل كل الاتفاقيات التي وقعت لحرية جولان الطائرات في الجزائر والمغرب، والموقعة في سياق الحرب على الإرهاب لتكون مفتوحة ضد النظام الليبي، ولأول مرة يحدث أن الطائرات الأمريكية تعمل دون توقف أو حدود مرة واحدة من المغرب إلى ليبيا.
إنها سياسة لا ترغب :
في ربط الحكم الذاتي في المملكة بالإصلاحات التي أعلنها الملك محمد السادس.
أن المبادرة التي أعلنتها الرباط في البداية مبادرة مغربية، ثم مبادرة أممية تعتبر جوهرية وليست نهائية.
أن الحل لن يكون خارج الأمم المتحدة.
استعجال الثمن الإقليمي لإصلاحات داخلية من أجل المزيد من تجذيرها فصل الموقف الأمريكي إلى أمرين : الدعم المطلق لهذه الإصلاحات التي تراها الرباط من اختيار النظام أكثر منها من ضغوط الشارع. والدعم المطلق لجهود كريستوفر روس لحل قضية الصحراء (الغربية). تقول وثيقة ثالثة : إن أول تفجر للوضع كان في مدينة العيون قبل تحرك تونس ؛ ونذكر جميعاً روس عندما قال في الجزائر : إن الوضع لا يطاق، وكان يقصد وضعاً إقليميا غير بشكل مفاجئ نظام تونس خارج أي تسوية، وخطورة ما حدث : أن ما يجري في الرباط والبيضاء لا يعني كثيراً أهل العيون، لأن ما جرى في العيون لم يعنِ باقي المدن في حينه.

+++ كلينتون في حوارها مع الفاسي الفهري لم تدعم دسترة الحكم الذاتي الموسع (في الدستور الجديد) لحل مشكل الصحراء (الغربية)
الدعم الأمريكي لم يكن اتجاه الدسترة من عدمها، بل اختارت كلينتون تكرار ما ورد عن مجلس الأمن في وصف المبادرة بالحرف، دون أن يتمكن الفاسي الفهري من انتزاع أي دعم أمريكي لهذه الدسترة.
كلينتون قالت ما قاله مجلس الأمن وأعلنت دعمها لمجهود كريستوفر روس.
الخطر أن يكون الرد المغربي سلبيا، وضد تجذير إصلاحاته ليعلن الدستور الجديد دستوراً (محافظاً).
المغرب اختار أن يطلب التمويل من فرنسا من أجل تفعيل هذه الإصلاحات، ويطلب الدعم السياسي لخطواته الإصلاحية من أمريكا، فيما يتعلق تحديداً بدسترة الحكم الذاتي في مقابل دعم المبادرة حلا لقضية الصحراء (الغربية).
هذه المشاورات تؤكد على أن إصلاحات المملكة نتيجة قرار سياسي لنظام حاكم يحاول أن لا يفقد المبادرة وأن يحول المبادرة في أي لحظة إلى مناورة حسب الحسابات.
كلينتون تدرك جيداً كيف تدير الأهداف المركبة من خلال تصريحات متوازنة اعتبرت متناقضة في أمر البحرين، بعد أن تحولت مطالب الإصلاح الداخلي في هذه المملكة إلى ورقة إقليمية ضد إيران، وفي عمق الأمن القومي السعودي، وهو نفس ما عمل عليه المغرب عندما قرر تحويل إصلاحاته إلى ورقة إقليمية لربح قضية الصحراء (الغربية) وفي عمق الأمن القومي المغربي.
هذه الصورة لم تبهج الأمريكيين، وتعاملوا مع الوضع على أساس المناورة، وهو ما يريده المغاربة تماماً.
الجزائريون اعتبروا أن قضية الإصلاحات ورفع الطوارئ قضية داخلية، وليس لها أي بعد أو حساب إقليمي، وهذا يشجع التقارب الأمريكي الجزائري إلى حد بعيد. فالحساسية الفرنسية اتجاه الجزائر انتهت لتتسلم باريس دوراً آخر في ليبيا، وتترك الجزائر لأمريكا. بوتفليقة الذي أغلق مجاله الجوي أمام الطائرات الفرنسية، لما يذكره من ماضٍ استعماري لهذا البلد، يفتح الأجواء أمام طائرات أمريكا ؟!
التذبذب الأمريكي مقصود لدفع المغاربة إلى دستور جديد جذري وقوي إن حمل دسترة الحكم الذاتي دون أن يؤثر ذلك على مسار المفاوضات ومن غير اعتماد هذه المبادرة "حلا نهائياً" لقضية الصحراء (الغربية).

+ بوتفليقة لم يتراجع عن عزل إصلاحات المملكة ...
كان بوتفليقة واضحاً في عزل إصلاحاته عن الموجة الإقليمية، واعتبر المغرب نفسه استثناءً، رغم أنه ربط بعض إصلاحاته بهذه الموجة. وهذه الصورة تخطط إلى مزيد من "تدويل" إصلاحاته، لأن مجرد ربطها بثمن ما يعني تدويلها بشكل أكبر، فهل الأمر لا يتعدى أن يكون جسّاً للنبض بعد أن تحرك المغاربة لتجاوز ما ظهر من خلاف بين واشنطن وباريس لأنهم، ببساطة، لا يريدون دفع ثمن عدم الاتفاق الأمريكي الفرنسي، في وقت تتجه فيه الحسابات لتكريس خطاطات أخرى تفكر في قلب باقي الأنظمة، فالجيش في الجزائر يمكن أن يغير بوتفليقة، وأمريكا لا ترغب في هذا السيناريو، كما أن العسكر يخاف من تجدد عدم الثقة العميقة بين الجيش والشعب الجزائري، لأن جيشي مصر وتونس حميا الديمقراطية الناشئة، على أن الجيش الجزائري وأد ديمقراطية الصناديق في 1992.
الجيش الجزائري غير مؤهل لإدارة الانتقال الديمقراطي في الجزائر، ويربح بوتفليقة هذا الرهان، ليكون تغييره فقط من الشارع، بانتخابات رئاسية مبكرة. لكن شروط نزاهتها تصعب في كل الظروف.
الجيش المغربي يدافع عن الديمقراطية والمدنيين في ليبيا، وقد تكون هذه القفزة في خدمة تطور شبكة أمان لإصلاحات الملك التي يدعمها الجيش، من مبادرة الحكم الذاتي وإلى تغيير الدستور.
الموقع الاستراتيجي، لأنظمة ديمقراطية مغاربية تخدم خيارات وحدة السوق ووحدة الرؤية لحل كل المشاكل العالقة، يسير باتجاه :
البحث عن دعم جامعة الدول العربية، فوزير الخارجية المغربي لا ينظر شرقاً، لكنه مضطر لذلك، وأوباما يحرص بعد أزمة ليبيا على إشراك جامعة الدول العربية.
البحث عن معادلة إقليمية جديدة تخدم الحل المغربي في الصحراء (الغربية)، والخوف كبير من بناء هذه المعادلة على معارضة مصالح الرباط. فالحل في تجذير الديمقراطية ما دامت حلاً داخليا وإقليميا وجهويا وعربيا وأمريكيا في هذه اللحظة.
انهيار الدولة البوليسية للقذافي (بتعبير ماكس بوت في نيويورك تايمز) يعني نشاطاً مفتوحاً لجهاديين محتملين، لكن هذا التخوف لا يأخذ به أوباما لأنه يعتقد بأن الديمقراطية الجذرية ستستوعب الجميع، خصوصاً بعد أن تأكد أن التهديد بالقاعدة – كما قام به القذافي – يكون مثل قتل النظام البوليسي تماماً.
تغير الشمال الأفريقي يحمل مخاطر أقل من العراق أو أفغانستان، والديمقراطية ستستقر قريباً في هذه الجهة من أفريقيا التي تحتضن جذور أوباما، وخطاب القاهرة وأفق حرب الأفكار على تنظيم القاعدة. حرب المغرب على القاعدة لم تعد قناعة استراتيجية، حيث أصبحت إصلاحات المملكة "في مثل هذا المكان" (بتعبير الوثيقة).
الأجواء الديمقراطية تبعد البوليساريو عن التحالف مع القاعدة، وتنقل الحل إلى سكان الإقليم، وليس لجبهة أو قيادة. وهذا البعد دقيق في استراتيجية كلينتون وأوباما.
نقل إدارة إقليم إلى الثوار كما يحدث في ليبيا، سيناريو يمكن أن يقرره الغرب بالنسبة للبوليساريو أو معارضيها. إذن تمكن الثوار من الحفاظ على القانون والنظام جزء من تمرين قد يتوسع إقليميا إلى الصحراء (الغربية)، وعلى المغرب أن يدفع بإصلاحات كبرى وجذرية لاستيعاب هذه التحولات.
ومثلما هو الحال مع دول أخرى بفترات ما بعد الصراعات مثل كوسوفا وتيمور الشرقية الاحتمال الأكبر لليبيا ما بعد القذافي. أن تحتاج طرابلس لقوة حفظ سلام دولية، نفس الاقتراح في منطقة أخرى قبلية في الصحراء (الغربية). هذا التقييم الصعب لمجلس العلاقات الأجنبية بالولايات المتحدة يقرر سيناريو الحلول التي قد يستبقها المغرب بإصلاحات جذرية تعطي هوية وكيانا للصحراء (الغربية) لتحديد مصير ساكنتها في إدارة ذاتية واسعة الاختصاصات.
الرهان على تعديل الدستور قد يشجع الحل لتجميد الصراع، كما قد يحمد الحل لتوليد مرحلة أخرى من الصراع.

+++ معادلة العمل الإقليمي الجديدة : توافق مجلس الأمن، الناتو، جامعة الدول العربية
هل يمكن أن نقرأ هذا التحول ؟ في نظر عمرو موسى هناك : قفزة في الوعي ورؤية جديدة لأوضاع الإنسان العربي بعد الثورة في مصر الحاضنة لجامعة الدول العربية.
أوباما يدرك الحساسية العربية المفرطة للتدخل الخارجي بعد درس العراق، ويعرف "الناتو" الذي يجمع مصالح كل المتدخلين الغربيين، وهناك جامعة الدول العربية. وتحالف مجلس الأمن والجامعة والناتو يؤكد على ثالوث عمل آخر، قد يقلب كل المعادلة، ويوصلها إلى تحديد أساليب التدخل والتفاوض وصناعة الحلول للأسباب الاستراتيجية والإنسانية (بتعبير ماكس بوت في نيويورك تايمز) والحل في الصحراء (الغربية) لن يكون دون هذه الأسباب.

+++ يجب أن يكون تعديل الدستور المغربي لأسباب استراتيجية ....
العامل الاستراتيجي لا يعني الإقليم بقدر ما يعني الوطن، والتخطيط لبوليساريو ما بعد عبد العزيز شيء محتمل، وغير استراتيجي في نفس الوقت، فالتحول إلى ديمقراطية وأحزاب في المخيمات والشتات بداية لإدارة ذاتية قد تقبل حكماً ذاتياً في صفقة المهد (أي في البداية)، وقد تكرس نقل الدولة من المنفى إلى الإقليم.
قراءة تحول البوليساريو إلى ديمقراطية كاملة إحراج للمملكة التي تعد بدستور متقدم، وهذه الورقة تديرها البوليساريو في أوروبا كإحدى خياراتها لمرحلة الديمقراطية العربية.
تعديل الدستور في المغرب قد يبلغ نفس الأهداف، فوزير الخارجية المغربي جعل تعميق إصلاحاته بثمن إقليمي، ودعم واشنطن مطلوب لمزيد من تقدم الديمقراطية. على أن أوباما يرى أن "البعد الداخلي لهذا التقدم هو الذي يجب أن يفهمه الجميع" أي الشعب والقيادة في بلد مثل المغرب.
أمريكا تدعم استعداد الشعب لخيار التغيير، فهي تدعم تحرك الشعب وليس تحرك الحكومات لإعلان إصلاحات مقبولة وإيجابية وجوهرية في تقييم برنز، لكنها لم تمس في مصر العلاقات مع إسرائيل، ولا في تونس العلاقات مع فرنسا.
التحول الديمقراطي من دون أبعاد إقليمية مباشرة، وواشنطن تعي ذلك جيداً. فحركة 20 فبراير المغربية :
لم تدع إلى دسترة الحكم الذاتي
لم تقترح حلا في قضية الصحراء
لم تدع إلى فتح الحدود مع الجزائر أو غيرها من المطالب أو تطلب علاقات مع دولة أو قطعها مع أخرى. إنها مطالب شعبية لتعميق الديمقراطية وأسلوب الحكم وتداول السلطة، وتعديل الدستور بما يفيد فصل السلطات وتوازنها.
وسعي وزير الخارجية المغربية لإيحاء حكومته بأي ربط بين الإصلاحات وبين التحولات الإقليمية لا يسير بالاتجاه الصحيح.
أما بخصوص عمل الناتو في شمال أفريقيا بعد دوره في ليبيا، فأمريكا تعتقد أن التطورات تدفع إلى مثل هذا الخيار، إذ يبقى مفتوحا لحماية الشعوب في هذه المنطقة، كما وقع تماماً ضد القذافي، فبعد التأكد من عدم الفعل من جانب تنظيم القاعدة ضد قصف ليبيا، في أفغانستان أو المغرب الإسلامي أصبح ممكناً أن يقود الناتو عمليات مباشرة فوق سماء ليبيا ضد كتائب القذافي، ونفس القرار سيكون من طرف رجال بن لادن إن قررت أمريكا محاربة نظام آخر في شمال أفريقيا.
عندما تسقط الديكتاتوريات لصالح الشعوب ليس مثل أن تسقط الشعوب طواغيتها، وبمساعدة ما من الخارج. التحول كبير بين 2003 و2011 ويمكن الوصول إلى نقط :
تغيير قيادة محمد عبد العزيز في البوليساريو سيكون "مسكوتاً عليه" من طرف تنظيم القاعدة.
أن تغيير بوتفليقة أو ما يحدث في المغرب سيكون ضمن نفس المسكوت عنه، لاستمرار النظامين في اعتقال المنتسبين للتيار السلفي. وحرية عمل السلفيين جزء من اللعبة المخيفة في مصر، والتي يمكن في نظر CIA احتواءها، كما يمكن احتواء إطلاق سلفيين في المغرب. وتأسيس حزب لهم في الجزائر ؟!
إن حوار كلينتون والفاسي الفهري لم يكن له ملامح استراتيجية هذا يعني صعوبة في علاقات أمريكا والمغرب التي ترغب واشنطن أن تكون (جوهرية) قبل أن تكون (استراتيجية) ولن تكون كذلك دون ديمقراطية بإصلاحات جوهرية في المملكة تمكن الرباط من انسجام إقليمي يهيئها لحل معضلاتها المعروفة ؟!


عبد الحميد العوني عدد 22 ل 4 ابريل 2011

بين خطاب الملك وحُجاب الملك ؟


هل المغاربة في خوف كامل بين خطاب الملك وحجاب الملك ؟ هذا واقع الحال ونتمناه غير المآل بعد هذا المقال

لو رأينا الصعوبة لقرأناها فيما بينهم وبين ملكهم من حجاب ولو نقلنا خوف نخبهم لقالوا الخشية من المنوني أو المعتصم، فيمن الأول ولا يعطي حق ما أراد المحكوم من الحاكم ! أو يعصم الثاني عن نقل ما يريد الشعب !وقد قيل قديما : لا شي أضيع للمملكة وأهلك للرعية من شدة الحجاب، وقال الفرنسيون بعدها، ضياع القضايا من تأسيس اللجن، وقيل : إذا سهل الحجاب أحجمت الرعية عن الظلم، وإذا عظم الحجاب هجمت على الظلم.
وقد روي في السير عن ميمون بن مهران، قال كنت عند عمر بن عبد العزيز فقال لحاجبه : من بالباب ؟ فقال : رجل أناخ أناقته الآن، يزعم أنه بلال مؤذن رسول الله (ص) فأذن له أن يدخل، فلما دخل قال حدثني أبي أنه سمع رسول الله (ص) يقول : من ولي شيئا من أمور المسلمين ثم حجب عنه حجبه الله عنه يوم القيامة، فقال الخليفة لحاجبه : الزم بيتك، ورفع بعدها نظام الحجابة في عهده. وظهرت لأول مرة قيادة بلا حجاب ومعها نصح بلا سباب وخروج بلا خراب، وظهور على الأمير باللسان والسماع.
وخوف المغاربة الكامن بين أمرين : أن تكون الأمور دعاية، والإصلاح تسويف وبعده تصريف وغده تخويف. فيكون بعد المعتصم وامعتصماه، وبعد المنوني وامناه ؟
والأصل معلوم، أن يجرأ الوسطاء في النقل وللإمام أن يتحفظ عن هذا المطلب أو ذاك، لا أن يكون الوسيط خليط السهل والقول، فيكون الشعب بلا حاجة، ليتمتع بحاجته ويزيد منها غيضا وفيضا، ويعمق بين الحاكم والمحكوم رفضا، وتلك – وربي – أخس همة وأنذل مهمة، لأن الواجب بين الحاكم والمحكوم أن يكون حكيما، فإن جمعنا الحكيم إلى الحاكم والمحكوم زاد الشعب في أمره وتطوره، وزاد المواطن في صفته وثقته خصوصا بعد أن حملت المرحلة شعار : الملك المواطن، ولا يكون ذلك دون تساوي ضمن فيه المواطن أن يلاقي في القصر مواطنا، بلا تزلف أو طاعة في تخلف، أو تكلف ؟ والسبيل إلى ذلك قدرالعصر حتى لا يصبح المغرب كله في خسر وقد قال سيد العلويين علي : إنما أمهل فرعون من دعواه الألوهية لسهولة إذنه وبذل طعامه، وقال عمرو بن مرة الجهني لمعاوية سمعت رسول (ص) يقول : ما من أمير يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة (الفقر) والمسألة إلا أغلق الله أبواب السموات دون حاجته وخلته (فقره) ومسألته، وأرى أن صدق الملك الإمام إن قلل من الحجابة لتزيده المهابة.
والأمر كله أمانة في الحكم، وأمانة في النقل والوصل فإن استقاما قامت الدولة وإن اختلا اختل السلطان في أقوى الزمان، وزماننا صعب المراس في إدارته، فلا يسهل للوسيط التخريف أو التحريف إلا إن قصد، والمغرب كله على باب القصر والعصر إن فتحا كانا إنا فتحنا للمغرب والمغاربة فتحا مبينا، وإن أغلق صفق الدهر واستوطن القهر في أمرنا وبئس المصير.
اتهام المتظاهرين لمحيط وأصدقاء السلطان ذكاء يعطي للملك موقعه إلى جانب شعبه، ومرت التحية بأحسن منها أو مثلها، فتركت للحجابة القدر الأمين والأمر المكين في تسوية ما علق، وبين ما اختلف واتفق علها تصيغ بالقلم الأمل لا الألم، فتزيد من رؤية القرب إلى الشعب، وفي هذا القرار حكمة من يعمل كي يكون المستقبل أوجب، لأنه العقل كله والأصوب.
وفي ذكر التاريخ، من لا يكون أي علوي على سنته، فقد استأذن سعد بن مالك على معاوية، فحجبه، فهتف بالبكاء، فأتى الناس وفيهم كعب (بن جعيل بن عجرة التغلبي) فقال : وما يبكيك يا سعد، فقال : ولم لا أبكي وقد ذهب الأعلام من أصحاب الرسول (ص)، ومعاوية يلعب بهذه الأمة ؟ فقال كعب : لا تبك، فإن في الجنة قصرا من ذهب يقال له عدن أهله الصديقون والشهداء، وأنا أرجو أن تكون من أهله فنظم بعضهم :
في كل يوم لي ببابك وقفة أطوي إليه سائر الأبواب
وإذ حضرت رغبت عنك فإنه ذنب عقوبته على البواب
والواقع أن كل الذنب سيكون على البواب الذي يرسل كل مملكة إلى الخراب اليباب، دون أن ندرك أن فعله لحفنة مال أو تحسين حال أو إرضاء بال ؟!
والمغاربة لهم كل الحق في تخوفهم من البوابين وقد كثروا، فيخرج الملك بما يتجاوز نصحهم، وقد كان ذلك مع عزيمان الذي يذكرنا بعبد السلطان، يكسر في الأمر جرأته وجدته وقوته، في الدستور كما في مشروع الجهة، وهو جهة لم يستحق الجهة ؟! فكيف يستحق أن يصيغ سيد القوانين ؟!
صناعة التاريخ سياق لا يحتاج إلى نفاق، وقدره الواسع الشاسع أن يصل فيه الحاكم والمحكوم إلى اتفاق، من غير جفوة ولا كبرة ولا هفوة. اتفاق يزيد من البيعة فتكون ميثاقا غليظا ليحكم الشعب أمره بشديد المحاسبة والمراقبة تذهب بالوزير ورئيس الوزير إلى القضاء ! ويختار الشعب حكومته كما يود ليحاسبها كما يجب، فيكون للجماعة الإصابة وتغيب الحجابة حتى لا نسمع ما قال الآباء.
وقد رأيت باب دارك بقوة، فيها لحسن صنيعك التكدير ! فما بال دارك حين تدخل جنة وبباب دارك منكرونكير ! وأرى بغيرهما قائلا : وبباب دارك قائم ونصير ؟!

القلم المعاكس عدد 22 ل 4 أبريل 2011

الملك‮ ‬يسقط عقيدة‮ ‬قواته‮ ‬ويعلن‮ ‬ دفاع الجيش المغربي‮ ‬عن الديمقراطية


المغرب‮ ‬يشارك في‮ ‬قمة باريس لمساندة الشعب الليبي‮ ‬لثلاث اعتبارات‮ :‬
‮-‬ التعاون الاستراتيجي‮ ‬مع ساركوزي‮. ‬فالاستجابة أتت بفعل دعم باريس لخطوات المملكة وسياساتها من أزمة العيون وإلى التعاطي‮ ‬مع إصلاحات أطلقها العاهل محمد السادس أخيراً‮.‬
‮-‬ أن الرباط تدعم توسيع النفوذ الفرنسي‮ ‬في‮ ‬العمق الليبي،‮ ‬لأنه عمق جديد للكتلة المغاربية‮ ‬Le grand maghreb ‮ ‬فتعزيز ساركوزي‮ ‬لدوره في‮ ‬ليبيا عمل فرنسي‮ ‬لجعل شمال أفريقيا‮ "‬منطقة ديمقراطية‮" ‬بعدما اعتبر بوتفليقة رفع الطوارئ خطوة أولى في‮ ‬طريق الإصلاحات،‮ ‬ويعمل محمد السادس على إصلاحات‮ "‬تؤدي‮ ‬إلى ملكية دستورية‮" ‬لأول مرة في‮ ‬تاريخ المملكة،‮ ‬كما قال آلان جوبيه في‮ ‬مجلس الأمن‮.‬
ما‮ ‬يعتبره ساركوزي‮ "‬توحيد شمال أفريقيا‮" ‬من مصر إلى المغرب على أساس الديمقراطية والإصلاحات‮ ‬يؤسس لمنطق آخر،‮ ‬وهارمونية بديلة‮ ‬يقف أمامها القذافي‮ ‬كحالة استثناء‮ ‬يجب التخلص منها،‮ ‬بل ننشر مقطعاً‮ ‬من وثيقة‮ (‬سرية‮) ‬للإليزيه‮ ‬يعتبر فيها مشاركة الأردن‮ "‬إتماما‮" ‬لحلقة الجنوب المتوسطي‮ ‬المناهض للديكتاتورية من المغرب إلى إسرائيل‮.‬
وجود القذافي‮ ‬يعتبر استثناءً‮ ‬مضراً‮ ‬بالمنطقة،‮ ‬وبتحولها الديمقراطي‮ ‬من جهة،‮ ‬كما‮ ‬يعتبر‮ "‬مهدداً‮ ‬لاستقرارها‮" ‬بعد تدخله في‮ ‬تونس وفي‮ ‬الجزائر وفي‮ ‬مصر رافضاً‮ ‬ما‮ ‬يجري‮ ‬على الأرض في‮ ‬هذه الدول‮.‬
فرنسا‮ ‬ التي‮ ‬تضع المغرب نموذجها الملكي‮ ‬في‮ ‬التحول والديمقراطية‮ ‬ وأمريكا‮ ‬ التي‮ ‬تضع الأردن مثالها في‮ ‬المنطقة بعدما دعته‮ (‬الطريق الخطأ لمملكة البحرين‮) ‬ تستدعيان الرباط وعمان لحضور قمة باريس‮.‬
أولاً،‮ ‬لقطع الطريق كاملاً‮ ‬عن أي‮ ‬ممارسة ضد المدنيين أو المتظاهرين في‮ ‬المملكتين،‮ ‬واحتواء كل الجنوب المتوسطي‮ ‬في‮ ‬الجو الجديد الذي‮ ‬خلقته الثورة العربية بعد نجاح كل من مصر وتونس في‮ ‬تجاوز المرحلة الأولى،‮ ‬والدخول في‮ ‬مرحلة التعديلات الدستورية،‮ ‬فمصر عرفت استفتاء على هذه التعديلات والمغرب‮ ‬يدخل في‮ ‬التهييء لنفس الاستحقاق بعد تعيين لجنة المنوني‮ ‬التي‮ ‬تطابق في‮ ‬مهمتها ما قام به البِشْرِي‮ ‬في‮ ‬مصر‮.‬
‮-‬ تبييض ملفِّها ضد المحتجين من أحداث العيون وإلى العنف ضد بعض عناصر حركة‮ ‬20 فبراير‮.‬
ومن الناحية الاستراتيجية ؛‮ ‬يقطع المغرب مع العمق الليبي‮ ‬المتأرجح في‮ ‬دعم جبهة البوليساريو،‮ ‬ويعتبر التحول الديمقراطي‮ ‬في‮ ‬ليبيا إلى جانب كل المتغيرات في‮ ‬شمال أفريقيا مدعاة لحل ديمقراطي‮ ‬لتسوية قضية الصحراء‮ (‬الغربية‮). ‬فضرب الاستثناء الليبي‮ ‬جزء من أمن الديمقراطية والحالة الجديدة لشمال أفريقيا ويفيد خطة حكم ذاتي‮ ‬موسع لحكم الصحراويين لأنفسهم‮.‬
تقول الوثيقة‮ (‬القذافي‮ ‬سيفجر الديمقراطيات الليبرالية الجديدة في‮ ‬شمال أفريقيا‮).‬
بمشاركته في‮ ‬قمة باريس المغرب لا‮ ‬يمكنه مطلقاً‮ ‬أن‮ ‬يستعمل طائراته ضد المخيمات في‮ ‬تندوف
الرباط خسرت بفعل هذه التحولات وبمشاركتها في‮ ‬قمة باريس‮ :‬
‮-‬ إمكانية استعمال الطائرات لضرب المخيمات في‮ ‬تندوف‮.‬
‮-‬ تكرار ما جرى في‮ ‬العيون‮.‬
‮-‬ استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين‮.‬
التطورات تفرض في‮ ‬انسجام مع الديمقراطية التي‮ ‬تتوسع وتوحد منطقة الشمال الأفريقي‮ ‬والجنوب المتوسطي،‮ ‬أن‮ ‬يكون الحل ديمقراطيا في‮ ‬المقام الأول لقضية الصحراء‮ (‬الغربية‮) ‬وأن‮ ‬يستبعد الجميع‮ (‬الخيار العسكري‮).‬
هذه الشروط في‮ ‬عمومها لصالح المملكة وإن حرمتها من امتيازها الجوي‮ ‬في‮ ‬حال شن البوليساريو لحرب،‮ ‬فالجبهة لا تمتلك طائرات،‮ ‬وتحييد السلاح الجوي‮ ‬المغربي‮ ‬هو السيناريو الأقرب إلى المنطق في‮ ‬عهد أوباما،‮ ‬وساركوزي‮ ‬بعد تطورات الملف الليبي‮ ‬وقرار مجلس الأمن‮ ‬1973.
أجواء جديدة تضع في‮ ‬الحسبان‮ (‬الحل التفاوضي‮ ‬والديمقراطي‮ ‬لحل قضية الصحراء‮). ‬وتستبعد الحل العسكري،‮ ‬لذلك أفاد بان كي‮ ‬مون بعد أيام من جولة مالطا أن ما جرى خطوة إلى الأمام‮. ‬وتعتقد مصادر أممية أن التقدم لم‮ ‬يكن في‮ ‬الجولة،‮ ‬بل في‮ ‬الأجواء الإقليمية التي‮ ‬تغير كل الخارطة في‮ ‬شمال أفريقيا وجنوب المتوسط ويمكن أن تساهم بشكل جدي‮ ‬في‮ ‬الانفراج‮.‬
هذه الأجواء الجديدة‮ ‬يهددها تواجد القذافي،‮ ‬خصوصا بعد أن أكد مدير أوباما للاستخبارات الوطنية جيمس كلابر‮ (‬إن نظام القذافي‮ ‬سينتصر بعد أن وصل إلى بنغازي‮)‬،‮ ‬ولن‮ ‬يترك‮ (‬القذافي‮) ‬الأجواء الإقليمية سالمة بعد إعادة سيطرته على كل ليبيا،‮ ‬لأن طموحه وعمله في‮ ‬أفريقيا وفي‮ ‬الشمال سيؤثر على تونس ومصر المدعِّمتين للثوار‮.‬
يقول مارك تيسين في‮ ‬الواشنطن بوست‮ (‬إن تبعات ترك القذافي‮ ‬ينتصر قد تمثل كارثة للأمن القومي‮ ‬الأمريكي‮) ‬الشأن نفسه مع فرنسا التي‮ ‬اعترفت بمجلس بنغازي‮ ‬ممثلاً‮ ‬وحيداً‮ ‬للشعب الليبي،‮ ‬ولن تسلم مصالحها بعد ذلك،‮ ‬كما سيكون الوضع مؤثراً‮ ‬على مصالح المغرب،‮ ‬مما قد‮ ‬يقلب المعادلة في‮ ‬الصحراء‮ (‬الغربية‮) ‬ويكون ضد العمال المغاربة في‮ ‬ليبيا،‮ ‬لأن عودتهم بشكل كامل إلى المملكة‮ (‬100 ألف‮) ‬سيزعزع أمنها الاجتماعي‮.‬
انتصار القذافي‮ ‬خطر على أمن المغرب في‮ ‬الصحراء‮ (‬الغربية‮) ‬وفي‮ ‬الداخل‮.‬
القذافي‮ ‬اعتبر أن الغرب خانه،‮ ‬ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يبقى وفيا له،‮ ‬وقد تعامل معه في‮ ‬السابق بلطف وسلم أسلحة الدمار الشامل التي‮ ‬لديه ونبذ الإرهاب‮.‬
عودة الكولونيل سيكون‮  ‬عودة قاتلة إن اتجه إلى عمله القديم حين فجر‮ "‬بان أم‮ ‬103" وقتل‮ ‬270 ‮ ‬شخصاً،‮ ‬ودمر طائرة فرنسية فوق النيجر وملهى‮ "‬لابال‮" ‬الليلي‮ ‬في‮ ‬برلين،‮ ‬وتآمر لقتل قيادات داخل السعودية،‮ ‬وتشاد ومصر والسودان وتونس وزائير‮. ‬
وسيكون‮ ‬ حسب التقرير الاستخباري‮ ‬ القذافي‮ ‬حال إخماده للتمرد‮ (‬غاضباً‮ ‬وأكثر جرأة‮) ‬مما‮ ‬يعد مزيجاً‮ ‬خطيراً‮ ‬ضد المصالح الغربية،‮ ‬والفرنسية الموجودة في‮ ‬المغرب إحدى أهم أهدافه،‮ ‬وسيغير من خارطة الصراع في‮ ‬الصحراء‮ (‬الغربية‮) ‬رغم أن الجبهة لن تكون أداة سهلة في‮ ‬يده،‮ ‬ومصالح‮ "‬الشعب الصحراوي‮" ‬في‮ ‬المفاوضات‮ ‬يتجاوز خياراً‮ ‬يختلط فيه انتقام القذافي‮ ‬وصعوبة الحل مع المغرب‮. ‬ساركوزي‮ ‬يعد الصحراويين بقرب الحل‮.‬
أوراق سرية أخرى،‮ ‬منها تقرير كلابر
فرنسا اتصلت بجبهة البوليساريو،‮ ‬ووعدت بتشجيع المفاوضات على أساس ما أكده آلان جوبيه‮ : ‬احترام رغبة الشعوب،‮ ‬فباريس ستنصت للصحراويين،‮ ‬وتدعم الحل السياسي‮ ‬في‮ ‬ظل الأجواء الجديدة‮.‬
إدارة ساركوزي‮ ‬رغبت في‮ ‬اتصالاتها أن تحاصر أي‮ ‬مد للقذافي،‮ ‬وأن تعمل على بناء الديمقراطية الشاملة لشمال أفريقيا‮. ‬لأنها صاغت مصالحها على هذا الأساس‮. ‬آلان جوبيه‮ ‬يدعم من جهة انتقال المغرب إلى ملكية دستورية ومن جهة أخرى‮ ‬يحترم‮ "‬إرادة الشعوب‮"‬،‮ ‬وهذا التوازن‮ ‬يخدم بناء استقرار ديمقراطي‮ ‬في‮ ‬المنطقة،‮ ‬واستقرار إقليمي‮ ‬يقبل حلولاً‮ ‬جذرية لكل المشاكل بما فيها‮ "‬الصحراء الغربية‮"‬،‮ ‬وقد كان التصريح المتأخر حول جولة مالطا نتيجة ما اتفقت عليه الأمم المتحدة وفرنسا لتسوية كل النزاعات والاستثناءات في‮ ‬شمال أفريقيا‮.‬
اليوم،‮ ‬دعم ساركوزي‮ ‬لجهود كريستوفر روس‮ ‬غير مسبوق،‮ ‬وهذه الإشارة حركت الطاقم المشرف على المفاوضات بين البوليساريو والمملكة لصياغة المقترحات شبه المقبولة لعرضها في‮ ‬الجولة الرسمية‮.‬
إدارة فرنسا تتقدم بما‮ ‬يفيد أمن تشاد والصحراء الجزائرية ومنع القذافي‮ ‬من عمقه‮ (‬الافريقي‮) ‬لتحصين الديمقراطيات الناشئة،‮ ‬وتوحيد الجنوب المتوسطي‮ ‬في‮ ‬إطار مبادرة المتوسط التي‮ ‬يعيد هيكلتها جذريا بعد ذهاب شريكه مبارك وضرب القذافي‮ ‬المعارض لهذا المشروع‮ (‬الامبريالي‮) ‬في‮ ‬نظره‮.‬
وخوف ساركوزي‮ ‬واضح من تسليم القذافي‮ ‬لإرهابيين وللقاعدة‮ ‬غازات الخردل والسارين وغيرها من الغازات الكيمائية،‮ ‬أو تحول المواجهات إلى كيميائية قاتلة‮ (‬حسب مكالمته مع أوباما كما نقل صحافي‮ ‬برازيلي‮) ‬الواقع الجديد فرض‮ ‬ للحسابات التي‮ ‬ذكرناها ولحسابات أخرى‮ ‬ الحرب على القذافي،‮ ‬لأن نظامه سيبقى مترنحاً‮ ‬ولن‮ ‬يحقق انتصاراً‮ ‬حاسماً،‮ ‬ويعني‮ ‬ذلك مأزقاً‮ ‬يؤدي‮ ‬في‮ ‬حال بقائه إلى تعريض كل المنطقة لخطر الصوملة‮.‬
القاعدة لم تدخل على الخط ولا ترغب،‮ ‬وربما‮ ‬يغيب القانون عن شرق ليبيا وتصبح منطقة‮ ‬غير خاضعة لحكم جهة معينة‮. ‬وضع‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى زعزعة‮ "‬أمن‮" ‬الصحراء الغربية في‮ ‬مصر،‮ ‬والحدود الجزائرية‮ ‬ الليبية‮.‬
التدخل حسب هذه التقارير أتى‮ :‬
‮-‬ كي‮ ‬لا‮ ‬يتحول زعماء التمرد إلى عناصر راديكالية‮.‬
‮-‬ كي‮ ‬لا تتحول البؤر النصف باردة إلى ساخنة‮ (‬الطوارق والصحراويون الغربيون‮).‬
‮-‬ كي‮ ‬لا‮ ‬يدخل تنظيم القاعدة على الخط‮.‬
وإذا تمكن القذافي‮ ‬من البقاء،‮ ‬على الرغم من مطالبة أوباما برحيله،‮ ‬فإن ذلك‮ ‬يرسل إشارة ضعف أمريكي‮ ‬في‮ ‬شمال أفريقيا والعالم الإسلامي‮ ‬ حسب نفس التقرير‮ ‬ مما استدعى التدخل‮.‬
الضغوط الأمريكية‮ ‬ في‮ ‬هذه الحالة‮ ‬ لن‮ ‬يكون لها مردود كبير،‮ ‬إن تصور الجميع تحفظ أوباما على استخدام القوة لأسباب أخلاقية،‮ ‬وسيعني‮ ‬الوضع في‮ ‬ليبيا استثناءً‮ ‬في‮ ‬موجة الثورات العربية،‮ ‬وليس انتكاسة،‮ ‬فمن جهة،‮ ‬لا‮ ‬يخدم الأمن القومي‮ ‬الأمريكي‮ ‬ضعف تأثير الأمريكيين أو ضعف الثورة الديمقراطية،‮ ‬خصوصا في‮ ‬دول دخلت انتقالاً‮ ‬دستوريا‮ (‬المغرب‮) ‬أو سياسيا‮ (‬في‮ ‬باقي‮ ‬الدول‮) ‬ويكون ضعف التأثير الغربي‮ ‬عاملاً‮ ‬مساهماً‮ ‬على الانتكاسة‮. ‬إذن إن جر المغرب إلى قمة باريس‮ ‬يستهدف الوصول إلى‮ ‬غايتين‮ :‬
1 حماية الانتقال الدستوري،‮ ‬وضغط الشارع لإنجاحه دون خسائر‮.‬
2 التوجه إلى حل ديمقراطي‮ ‬وجذري‮ ‬في‮ ‬مشكل الصحراء‮ (‬الغربية‮).‬
ساركوزي‮ ‬يعتقد بتقدم دستوري‮ ‬في‮ ‬المغرب‮ ‬يساهم في‮ ‬تقدم تفاوضي‮ ‬في‮ ‬ملف الصحراء‮ (‬الغربية‮) ‬فالملكية المتقدمة لجهوية متقدمة في‮ ‬المملكة‮ ‬يخدم في‮ ‬جزء كبير منه التحول الجاري‮.‬
أمريكا لم‮ ‬يضعف دورها في‮ ‬المغرب العربي،‮ ‬ولذلك بدأت العمليات ضد طرابلس في‮ ‬اتجاه إدارة بريطانيا لفجر أوديسة‮.‬
تصور الضعف الأمريكي‮ ‬سيسبب حسب تقرير‮ (‬انتربريز‮) ‬في‮ ‬هجمات القاعدة‮. ‬ولا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتكرر مثل هذا السيناريو‮. ‬ويضيف التقرير‮ : ‬السماح للقذافي‮ ‬بأن‮ ‬ينتصر سينتج المزيد من الإرهاب وصناعة القلاقل،‮ ‬والبوليساريو أداة في‮ ‬الوصول بالاضطراب إلى المتوسط‮.‬
الولايات المتحدة لديها مصلحة استراتيجية في‮ ‬مساعدة المتمردين الليبيين لإزاحة القذافي‮ ‬من سدة الحكم‮.‬
جيمس كلابر‮ ‬يعتقد أن لدى القذافي‮ ‬قوة تكنولوجية كبيرة،‮ ‬ويمكن أن‮ ‬يوزعها،‮ ‬لن‮ ‬يوزعها على مواطنيه فحسب،‮ ‬بل‮ ‬يعتبر أي‮ ‬أفريقي‮ ‬مواطناً‮ ‬ليبياً‮ ‬في‮ ‬قياس الأهداف‮.‬
الخطر الشديد في‮ ‬دفع البوليساريو إلى الحرب،‮ ‬أو تسليحها من جديد ؛ وتقرير كلابر لتحديد جولة مالطا‮ ‬يعتبر تحديا للقذافي‮. ‬لأن واشنطن قررت مواصلة المفاوضات بين البوليساريو والمملكة ومواصلة دعم ثورات الشعوب نحو الديمقراطية والمساواة‮.‬
الحالة تستدعي‮ ‬إما تسليح القذافي‮ ‬للبوليساريو والطوارق والقاعدة أو تسليح الأمريكيين للمعارضة،‮ ‬وقد ساعدت الولايات المتحدة الكونترا في‮ ‬الإطاحة بالساندينية في‮ ‬نيكاراغوا،‮ ‬وساعدت المجاهدين الأفغان لإخراج السوفيات،‮ ‬ويمكن أن تساعد المتمردين الليبيين للإطاحة بنظام القذافي‮ (‬تقرير لمعهد أنتربريز المحافظ‮) ‬وسياسة أوباما لم تخرج عن معالم السياسة المشتركة للحزبين الجمهوري‮ ‬والديمقراطي‮.‬
المغرب لا‮ ‬يشارك بطائراته،‮  ‬يسمح بأجوائه وبالمساعدة في‮ ‬العمليات العسكرية ضد القذافي
واشنطن ترغب في‮ ‬إنجاح أهدافها الثلاثة‮ :‬
1 قيادة أفريكوم‮ ‬100 في‮ ‬المائة لكل العمليات في‮ ‬ليبيا،‮ ‬وتعتبر هذه أول مرة تقوم بها أفريكوم بعملية كاملة قيادة ونيران‮ ‬100 في‮ ‬المائة لحظر جوي‮ ‬محدود فوق دولة أفريقية،‮ ‬وسيترك أوباما قيادة العمليات في‮ ‬المرحلة الثالثة لإنجلترة،‮ ‬وهنا‮ ‬يأتي‮ ‬دور المغرب إذ تعتبر أجواءه مفتوحة لأي‮ ‬عمليات ضد القذافي،‮ ‬كما نرى‮ :‬
‮-‬ أن مشاركته في‮ ‬تأمين معبر جبل طارق إلى جانب إنجلترة من الأمن البحري‮ ‬للعمليات ضد القذافي‮.‬
‮-‬ قراره السماح بتطبيقات وصلت‮ ‬90% لاتفاق بناني‮ ‬ وورد‮.‬
‮-‬ أن المغرب لا‮ ‬يزال مرشحاً‮ ‬لقيادة أفريكوم،‮ ‬إن نجحت دول شمال أفريقيا في‮ ‬انتقالها الديمقراطي‮ ‬وتحالفها مع أمريكا‮.‬
النجاح في‮ ‬ليبيا‮ ‬يخدم كل الحسابات المغربية إلى جانب الفرنسيين والأمريكيين معاً‮.‬
2 التدخل‮ ‬غير البري‮ ‬في‮ ‬حرب تسقط نظاما،‮ ‬كما تقول وثيقة موجهة لأوباما‮.‬
3 الدفاع عن البديل الديمقراطي‮ ‬للديكتاتوريات عبر مجلس الأمن‮.‬
الآن،‮ ‬يمكن القول إن حماية الشعوب جزء حقيقي‮ ‬من‮  ‬سياسة الدول،‮ ‬وأن السيادة الداخلية أصبح أمرا متجاوزا في‮ ‬الشرق الأوسط‮. ‬لقد انفتحت الشعوب العربية على مفاهيم أخرى بعد نجاح الثورتين في‮ ‬مصر وتونس‮.‬
‮ ‬تقرير كلابر حول شمال أفريقيا‮...‬
لم‮ ‬يعد ممكنا أن‮ ‬يتراجع المغرب في‮ ‬إصلاحاته التي‮ ‬أعلنها،‮ "‬والتي‮ ‬لن تكون نهائية‮"  ‬حسب الفرنسيين الذين‮ ‬يعدون‮ :‬
1 بملكية دستورية شاملة‮ ‬يقودها محمد السادس بنفسه،‮ ‬وقد استأثر هذا الملك بقيادة حقوق المرأة،‮ ‬والآن حقوق شعبه‮.‬
2 أن مفاوضات الصحراء‮ (‬الغربية‮) ‬سيكون لها ملمح إقليمي‮ ‬في‮ ‬الجولة الرسمية‮.‬
3 أن بريطانيا ستكون فاعلاً‮ ‬جديداً‮ ‬في‮ ‬ليبيا،‮ ‬وفي‮ ‬أمن جبل طارق والصحراء‮ (‬الغربية‮).‬
لندن تقرأ الوضع الجديد من خلال عودة أنجلو‮- ‬فرنسية‮. ‬
انطلاقا من ليبيا مرورا بتونس والجزائر إلى المغرب في‮ ‬إطار استفراد أمريكي‮ ‬بمصر‮. ‬وهذا الدومينو‮ ‬يتخذ وجهاً‮ ‬آخر عندما نقرأ الأوضاع من زوايا متعددة‮ :‬
1 الديمقراطية في‮ ‬المغرب والجزائر قد توقف ما تدعوه وثيقة أمريكية‮ (‬خلافاً‮ ‬بارداً‮) ‬بين بوتفليقة ومحمد السادس حولته وثائق ويكيليكس إلى خلاف‮ (‬إيجابي‮ ‬يتنافس فيه الطرفان على التكيف الذكي‮ ‬مع الأحداث الإقليمية‮).‬
2 الحل المبني‮ ‬على خيار الشعب الصحراوي‮ ‬جزء من سياسة الجزائر،‮ ‬والحل المؤسس على إرادة هذا الشعب والسيادة الوطنية‮ ‬يدخل ضمن السياسة المغربية‮. ‬وهذا المنطق في‮ ‬شقه الجزائري‮ ‬والمغربي‮ ‬يخدم الحل الديمقراطي‮ ‬المتفاوض عليه،‮ ‬ويتجاوز تراث القذافي‮ ‬المتشنج والإرهابي‮ ‬في‮ ‬المنطقة‮.‬
البوليساريو تجاوزت إلى جانب الجزائر أي‮ ‬أهمية لليبيا في‮ ‬صراع الصحراء‮ (‬الغربية‮) ‬وكل الأطراف تجاوزت لعبة القذافي‮ ‬الإقليمية لعدم اهتمامه بالشمال الأفريقي،‮ ‬وركزت على كل القارة،‮ ‬وثانيا،‮ ‬لأنه اعطى‮  ‬كل أوراقه للغرب ولم‮ ‬يرغب في‮ ‬تبني‮ ‬منهجه،‮ ‬وثالثاً،‮ ‬لأن منع القذافي‮ ‬من قوته حالياً‮ ‬يهدف إلى عدم عودة المنطقة إلى الحرب الباردة،‮ ‬لذلك من أمن النظام المغربي‮ ‬سقوط القذافي‮.‬
والدعم الغربي‮ ‬لا‮ ‬يتجاوز في‮ ‬نظر المؤسسات‮ : ‬التعامل مع الثقافة الجديدة في‮ ‬المنطقة،‮ ‬وتحصينها دون أن تنزل إلى حرب باردة بين ديكتاتوريات باقية وديمقراطيات ناشئة‮.‬
توحيد المنطقة جزء من الأمن في‮ ‬شمال أفريقيا،‮ ‬لأن من المهم ليس فقط بناء مؤسسات ديمقراطية بل بناء أجهزة أمن حديثة من الداخل،‮ ‬وبناء منظومة أمن إقليمي‮. ‬هذا الأمن‮ ‬يفيد حل مشكل الصحراء‮ (‬الغربية‮) ‬بشكل صحيح‮. ‬قولك‮ (‬صحيح‮) ‬لفظ مستحدث في‮ ‬إدارة أوباما‮ ‬يكشف عن تطور‮ ‬يدعو إلى مفاوضات‮ (‬صحيحة‮) ‬لتكسب موقعها وتحولها إلى حل‮ (‬ناجح‮).‬
ضمان أن‮ ‬يكون التدخل الدولي‮ ‬صحيحا،‮ ‬وبالتالي‮ ‬أن تكون المفاوضات جوهرية‮ ‬يخدم الأمن الإقليمي‮ ‬الجديد‮.‬
ما سيستفيده المغاربة أن تكون قاعدة التفاوض صحيحة لتكون جوهرية والأمن الإقليمي‮ ‬المؤسس على حماية الديمقراطية وخيارات الشعوب‮ ‬يمكِّن من الوصول إلى الحل السياسي‮.‬
إنها ثقافة التفاوض بشكل صحيح‮ ‬ حسب الوثيقة‮ ‬ والمغرب قد‮ ‬ينخرط في‮ ‬العمليات العسكرية ضد القذافي‮ ‬لحماية الشعب الليبي‮.‬
الفرنسيون‮ ‬يعلقون على محمد السادس وما‮ ‬يعلقه الأمريكيون على الملك الأردني‮  ‬الذي‮ ‬يقف رهانه على حرية الصحافة،‮ ‬إذ تم تعليق العمود الأسبوعي‮ ‬للكاتبة راندا حبيب في‮ ‬جوردان تايمز،‮ ‬وتظاهر‮ ‬200 صحافي‮ ‬في‮ ‬عمان للمطالبة بحرية الصحافة‮. ‬على الملك عبد الله الذي‮ ‬يرغب في‮ ‬الإصلاح أن‮ ‬يتبنى هذه القضية عوض أن‮ ‬يحاربها‮ (‬كما‮ ‬يقول مقال إغناتيوس في‮ ‬الواشنطن بوست‮) ‬وعلى الملك المغربي‮ ‬أن‮ ‬يحترم حرية التظاهر‮.‬
الملكان اللذان‮ ‬يرغبان في‮ ‬الإصلاح‮ ‬يحتاجان إلى تسويات إيجابية لصالحهما الأول في‮ ‬الضفة الغربية والثاني‮ ‬في‮ ‬الصحراء‮ (‬الغربية‮).‬
هل‮ ‬يمكن ذلك في‮ ‬ترتيبات الأمن الإقليمي‮ ‬الجديد ؟ أمريكا تعتبر أن أمن شمال أفريقيا سيكون دون القذافي‮ ‬من أجل مفاوضات ناجحة بين البوليساريو والمغرب،‮ ‬لأن الحرب على فرنسا ستكون عبر الصحراء‮ (‬الغربية‮) ‬ومن خلال المغرب‮.‬
الرباط لن تستطيع أن تدفع مثل هذا الثمن،‮ ‬ولذلك دخلت ضمن الدول التي‮ ‬تساعد في‮ ‬العمليات العسكرية ضد القذافي‮ ‬بموجب مصالحها المذكورة والتزاماً‮ ‬بالاتفاقيات الموقعة بين فرنسا والمغرب،‮ ‬والمغرب وأمريكا‮.‬
إشارات فرنسية خطيرة‮...‬
لقد ثبت لواشنطن أن الجيش المغربي‮ ‬لا‮ ‬يزال تحت القرار الفرنسي‮ ‬بعد مشاركة الرباط في‮ ‬قمة باريس لحماية الشعب الليبي‮. ‬وأن الضغط على المؤسسة العسكرية في‮ ‬هذا البلد لن‮ ‬يكون دون تفاهم‮ "‬فرنسي‮ ‬ أمريكي‮" ‬ينطلق من ليبيا ولا‮ ‬يقف في‮ ‬كل دول الشمال الأفريقي‮.‬
وتأكد فعلا أن الضغوط على الجيش المغربي‮ ‬ستكون مثمرة جداً‮ ‬إن قررت كل من باريس وواشنطن الذهاب بعيداً‮ ‬في‮ ‬هذه الضغوط،‮ ‬ليس فقط لإنجاح التحول الدستوري‮ ‬في‮ ‬المملكة،‮ ‬وإنما كذلك لإنجاح الحل في‮ ‬الصحراء‮.‬
إخراج الجيش المغربي‮ ‬عن العمل داخل حدوده والقيام بدور إقليمي‮ ‬ضد القذافي‮ ‬خطوة في‮ ‬طريق دعمه للديمقراطية داخل بلاده وفي‮ ‬شمال أفريقيا‮.‬
هل الأمر متعلق بقناعة ملكية انعكست على جيشه وهو قائده الأعلى الذي‮ ‬طرح انتقالاً‮ ‬دستوريا في‮ ‬المغرب،‮ ‬أم أن الجيش له دور واقعي‮ ‬في‮ ‬التحول الذي‮ ‬تعرفه المملكة الشريفة‮.‬
هذا السؤال‮ ‬يزعزع مراكز البحث،‮ ‬لأن من المهم أن‮ ‬يكون الملك مصلحاً‮ ‬حقيقيا،‮ ‬ويكون الجيش إلى جانب الشرعية الشعبية لإنجاح دور الملك المحوري‮ ‬في‮ ‬الإصلاحات‮.‬
إننا أمام أمريكي‮ ‬من أصل أفريقي‮ ‬وابن لرجل مسلم،‮ ‬وهو شخص‮ ‬يحمل في‮ ‬سلوكه وأسلوبه في‮ ‬الحكم قبوله للنصح‮ ‬ بجمل إغناتيوس‮ ‬ وهو ما‮ ‬يجعل الديمقراطية تؤتي‮ ‬ثمارها خارج أمريكا‮.‬
أوباما‮ ‬يدرك أن الجزء الواسع من السياسة حمايةُ‮ ‬مصالح لا تختلف عن مبادئنا،‮ ‬لأن من المهم أن‮ ‬يكتب المغرب قصته الخاصة اتجاه ملكيته الدستورية وديمقراطيته الجديدة والمتسامحة،‮ ‬والأهم أن‮ ‬يكون خطاب جديد في‮ ‬القاهرة‮ ‬يجعل أمريكا إلى جانب التغيير،‮ ‬وأن‮ ‬يقوم ساركوزي‮ ‬بخطاب آخر في‮ ‬البرلمان المغربي‮ ‬ليس لدعم مساواة المرأة للرجل في‮ ‬المملكة،‮ ‬إنما لدعم خطوات المملكة اتجاه ملكية دستورية تُحْمَى فيها سيادة الشعب،‮ ‬وبخيار أن تكون لهذا الشعب حكومة‮ ‬ينتخبها ويحاسبها ككل الشعوب الأخرى‮.‬
إن مشاركة المغرب في‮ ‬الحرب على القذافي‮ ‬جزء لا‮ ‬يتجزأ من مصالحنا الاستراتيجية في‮ ‬شمال أفريقيا،‮ ‬لكن ألا‮ ‬يطرح ذلك تعبيراً‮ ‬داخلياً‮ ‬على رفض كل ممارسة تشبه القذافي‮ ‬أو تتشبه به‮. ‬بكلمة واحدة،‮ ‬المغاربة لن‮ ‬ينجحوا خارج موجة الديمقراطيات الناشئة في‮ ‬شمال إفريقيا ؟‮!‬

عبد الحميد العوني ماوراء الحدث عدد 21 ل 25 مارس 2011