عدد رقم 50 ل 18 - 11 - 2011

عدد رقم 50  ل 18 - 11 - 2011
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكتاب الحدث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الكتاب الحدث. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 6 مايو 2011

كان الهنود الحمر على وشك النجاة من الإبادات لو "اعترفوا" بأنهم مجرد حشرات "رحمتك يا ألله" من الخطاب الاستعلائي الغربي


كان الهنود الحمر على وشك النجاة من الإبادات لو "اعترفوا" بأنهم مجرد حشرات 
"رحمتك يا ألله" من الخطاب الاستعلائي الغربي

مقالة هامة جدا حررها صدرت منذ سنين عن الراحل ريتشارد هولبروك، السفير الأمريكي السابق في الأمم المتحدة، مادامت، من وجهة نظرنا على الأقل، تختزل بشكل لافت بعض طرق التفكير لدى العقل السياسي الغربي، في شقه الأمريكي تحديدا، وتزداد أهميتها عندما يكون موضوعها مأزق الإرهاب، وسبل مواجهة من يعارض سياسات الإدارة الأمريكية في الرقعة العربية والإسلامية، والأمر يتعلق على الخصوص بالإسلاميين الجهاديين، بقيادة تنظيم "القاعدة"، على اعتبار أن التصدي لقرارات الإدارة الأمريكية بالرفض أو النقد لم يعد متوقعا من لدن صناع القرار السياسي العربي الإسلامي، ولا حتى من السواد الأعظم من المفكرين والباحثين العرب والمسلمين، باستثناء قلة قلية، يمكن تشبيه نقدها لممارسات الإدارة الأمريكية بالإمساك على الجمر الأحمر، إذا استعرنا الأثر النبوي الشهير.
سوف نتوقف عند رؤى و"تعليمات" هولبروك لطبيعة التعاطي مع ملفين ساخنين يتعلقان بأقطار إسلامية.
1 ـ ولنبدأ بالمشهد الأفغاني/الباكستاني، حيث يرى الرجل أن "الفشل في أفغانستان سينجم عنه عودة طالبان والقاعدة، وهما خطران بما فيه الكفاية الآن، رغم أنهما محصوران في المنطقة الجبلية الحدودية مع باكستان. ولكنهما سيكونان أكثر خطورة بكثير حال سيطرتهما على مدن مثل قندهار أو ربما كابل، حيث ستكون لديهم القدرة للوصول إلى وسائل الاتصالات الحديثة مع جمهور متدين واسع يمكنهم الاختفاء بينهم". ويضيف المسؤول الأمريكي، في معرض تقييم أحداث المسجد الأحمر، أن الرئيس الباكستاني برويز مشرف كان "محقا حينما هاجم المتطرفين في المسجد الأحمر بإسلام آباد، فذلك الاعتصام المسلح هو تهديد في الصميم للبلد"، و"بالنسبة لمشرف يشكل كمال أتاتورك نموذجا. فمشرف ترعرع لعدد من السنوات في تركيا. وأتاتورك نموذج جيد لكن الظروف مختلفة، إنه من غير الواضح ما إذا كانت باكستان حقا تسير في طريقها كي تصبح مثل الدولة التي كونها أتاتورك".
2 ـ فيما يتعلق بالحالة التركية، يضيف هولبروك أن "آخر نسخة من الانتخابات التركية كانت حدثا تاريخيا مهما. فالغرب قال إن ما يريده هو نسخة معتدلة من الإسلام في العالم"، و"عند أخذ أهمية تركيا الاستراتيجية في الحسبان يكون من المشجع أن نرى انتخابات سلمية تجري عبر عملية ديمقراطية لا تشوبها شائبة". وتعني "الانتخابات بشكل أكثر تفصيلا، ارتفاع أسعار أسهم البورصة، وهذا ما يجعل رجال الأعمال مسرورين". (منذ أيام قليلة ، أقر وزير الدفاع الفرنسي، آلان جوبيه، بحتمية التعامل الإكراهي مع "الإسلاميين المعتدلين"). 
المقتطفات سالفة الذكر، توجز لنا مدى تغلغل "المركزية المتعالية" في رؤى أغلب المسؤولين الأمريكيين، والتي لم تصدر من فراغ، وبالتأكيد ليست وليدة الساعة، ومن يطلع على أعمال الصحفي الألماني الراحل يواخيم فرناو في كتابه الرائع "رحمتك يا ألله.. صفحات مجهولة من تاريخ أمريكا"، أو الباحث السوري منير العكش، ومؤلفه القيم "تلمود العم سام"، وغيرهم كثير (نورمان فنكلشتين، هوارد زن..)، سيصطدم بكم هائل من الأدبيات السياسية الأمريكية التي تعود لقرون خلت، وتصب في شرعنة الإبادة والقتل والاحتلال، تارة باسم تطبيق "الحق الإلهي"، وتارة أخرى، باسم تأدية "الواجب الحضاري"، وغيرها من التبريرات الميكيافيلية المتطرفة.
ففي سنة 1854 كتبت أمريكا إعلانا وجهته إلى أوروبا، تقول فيه: "إن الولايات المتحدة تحتاج من أجل أمنها إلى كوبا، وأن لديها حقا إلهيا في انتزاعها من إسبانيا، بطريقة أو بأخرى". وقد أوجز فرناو أصول الشعب الأمريكي في "قوم جاءوا ضمن شحنات بشرية حملتها السفن من إنجلترا قبل أجيال، وقد رسموا إشارة الصليب وأوهمهم وعيهم المتغطرس أنهم "أصفياء الله"، وحماستهم "الإيمانية الطهورية" كانا مما لا يمكن احتماله، وما إن نزل الآباء أرض أمريكا وهم يصرخون "المجد لله" ويجثون على ركبهم حتى أفسدوا الأجواء باستقامتهم المنافقة، وقناعتهم أن الله سيجزي أفعالهم بالنجاح والذهب".
تذكروا جيدا، ما صدر عن مارك توين ـ في مطلع القرن العشرين ـ ما مفاده أن على "الولايات المتحدة الأمريكية أن تستبدل بنجوم عَلمِها جماجم القتلى".
ـ بالعودة إلى ثنايا إقرارات هولبروك، نبدأ أولا بتقييم المشهد الباكستاني، حيث الإشادة الأمريكية الصريحة بمجزرة المسجد الأحمر، تأسيسا على أن "ذلك الاعتصام المسلح هو تهديد في الصميم لبلد" يترأسه حاكم عسكري يحلم بتكرار تجربة "كمال أتاتورك نموذجا. فمشرف ترعرع لعدد من السنوات في تركيا. وأتاتورك نموذج جيد لكن الظروف مختلفة".
تقييم هولبروك للمشهد يتقاطع بشكل جلي مع إحدى تصريحات الرئيس الأمريكي، جورج بوش الذي رفض استبعاد شن هجمات داخل الأراضي الباكستانية إذا لزم الأمر ذلك، وتجنب بوش الإجابة عن سؤال حول ما إذا كانت القوات الأمريكية ستطلب موافقة الرئيس الباكستاني، برويز مشرف، قبل الدخول إلى منطقة القبائل حيث يعتقد بوجود قادة تنظيم "القاعدة"، مضيفا بالحرف: "أنا واثق أنه في حال وجود معلومات استخباراتية جيدة، سنكون قادرين على إحقاق العدل بحق مسؤولين كبار من القاعدة". (حسب تصريح له صدر يوم 6/8/2007)
يكمن بيت القصيد في الجهاز المفاهيمي للمؤسسة الأمنية الأمريكية في الإقرار والإصرار على قدرة جنود "المازينز" على ما وصفه جورج بوش بـ"إحقاق العدل"، تماما كما صدر يوما عن هورس كريلي ـ في عام 1859 للمفارقة وللتذكير ـ قائلا هو الآخر بالحرف: "ليس لدينا في الأمر حيلة. يجب أن يزول هؤلاء الناس ـ ويقصد الهنود الحمر ـ لقد أعطى الله هذه الأرض للذين سوف يسيطرون عليها وسوف يزرعونها ولا جدوى من مقاومة طبيعة قضائه" (انظر: محمد البغدادي. الإمبراطورية الأمريكية. دار توبقال. الدار البيضاء. 2005. ص 103)
والحال، أن الهنود الحمر وبعدهم السود، كانوا على وشك النجاة من الإبادات الجماعية لو أنهم لعقوا حذاء المنتصر وأقروا أنهم حشرات، وبسبب عدم اعترافهم بأنهم مجرد حشرات، كان لزاما حل مشكلة الهنود ـ نموذجا ـ حلا بيولوجيا نهائيا، وقد نطق تيودور روزفلت في فترة لاحقة بالجملة الدالة التالية: "لو تركنا للهنود أراضي الصيد الخاصة بهم لوضعنا قارتنا تحت تصرف همج قذرين متوحشين؛ لذلك لم يبق أمامنا خيار غير إبادتهم". وروزفلت بالمناسبة، حاز على جائزة نوبل للسلام سنة 1906!
ومن يدري، قد يأتي اليوم الذي يحصل فيه الرئيس الأمريكي الحالي على جائزة نوبل نظير "المهمة الحضارية" التي تقوم إدارته الحالية في معتقل غوانتانامو سيء الذكر، وربما يحصل عليها أيضا برويز مشرف، نظير "المهمة الحضارية" التي تمت في المسجد الأحمر، ومهام أخرى سابقة، ولاحقة، على الأرجح.
ـ نأتي لتقييم هولبروك لنتائج الانتخابات التركية، ونحن مطالبون في هذه الجزئية بالذات بتوجيه الشكر والتحية إلى الرجل، على صراحته وجرأته في تمرير خطاب غربي استعلائي، أشبه بخطاب قائد عسكري لا يعرف سوى الأوامر، ويطلب من المتلقي (العرب والمسلمين) تنفيذ تلك الأوامر، كما تجسدها تحديدا العبارة التالية: "الانتخابات التركية الأخيرة حدث تاريخي مهم. فالغرب قال إن ما يريده هو نسخة معتدلة من الإسلام في العالم".
هذا ما يريده الغرب، ولا يهم ما نريده نحن، لأن الغرب هو المرجع والسيد، ونحن مجرد أتباع أو عبيد أو قطيع من الشعوب، مطالبون بتلبية أوامر السيد الغربي، وإسقاط نموذجه الحضاري في مفاهيم التنمية والتقدم والتنوير. إلخ.
لا يهمنا التوقف كثيرا عند نقد فلسفة التقدم، كما هو مُرَوَّج لها من طرف تيارات العولمة البديلة ومبادرات آل غور في قطاع البيئة، وكما هو مُرَوَّج إجمالا في الغرب والشرق على حد سواء (انظر كتاب جلال أمين الهام الذي يحمل عنوان "خرافة التقدم والتخلف: العرب والحضارة الغربية في مستهل القرن الواحد والعشرين، والصادر عن دار الشروق القاهرية).
المهم هو التدقيق في الحديث عن أوامر الغرب من طبيعة الإسلام الذي يريد هو، وإذا كان الغرب قد "قال إن ما يريده هو نسخة معتدلة من الإسلام في العالم". فهل المقصود هنا الإسلام الرسمي المعتدل لأغلب الدول الإسلامية العربية، بما فيها دول "محور الاعتدال"، أو إسلام حركات وأحزاب "الإسلام السياسي" المحسوب على التيار المعتدل (من طينة موضة أحزاب "العدالة والتنمية" في تركيا والمغرب وماليزيا)؟ أو إسلام الطرق الصوفية والمهادنة والبعيدة عن الخوض في إبداء مواقف سياسية من التحديات التي تعصف بالوطن العربي والعالم الإسلامي؟
لعل أهم حسنات هذا الخطاب الاستعلائي، كونه يذكر الناطقين باسم العقل الإسلامي المعاصر ("العقل الفقهي" على الخصوص) بأن عدم الحسم مع طبيعة الإسلام الذي نريد، هو الذي يخول لأمثال هولبروك التدخل في ثنايا هذه الإشكالية، والانتقال من مرتبة "التثاقف" والحوار والمناظرة، نحو مرتبة إعطاء الأوامر الذي يروج له في صيغة "إبداء النصح".
أما ما يجمع بين تقاطعات رؤى بوش وهولبروك للملف الأفغاني/الباكستاني، ومعها رؤى هولبروك للمشهد التركي، فنجدها صراحة ودون تلميحات أو تأويلات في ما صرح به دانيال بايبس دون سواه، حسب ما جاء في مقال له صدر في يومية "نيويورك سان" في 5/12/2006، تحت عنوان: "كيف نقضي على الإرهاب؟".
يرى المُنَظِّر اليميني البارز، أن "أكثر صور مكافحة الإرهاب فعالية وكفاءة لا تقاتل الإرهابيين وإنما تقاتل الأفكار التي تحرضهم"، والإحالة هنا صريحة على منظومة "حرب الأفكار" كما طرحا يوما دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي السابق. وتتضمن هذه الاستراتيجية خطوتين أساسيتين حسب بايبس دائما: "الأولى هزيمة الحركة الإسلامية المتطرفة بنفس الطريقة التي تمت بها هزيمة الحركة الفاشية والحركة الشيوعية، على كل مستوى وبكل طريقة، وباستخدام كل الهيئات والمؤسسات العامة والخاصة. ويقع عبء القيام بهذه المهمة أساسا على غير المسلمين، فالمجتمعات المسلمة إما هي عاجزة وغير قادرة أو هي غير راغبة في ذلك". وهذا عين ما صدر عن هورس كريلي وتيودور روزفلت وجورج بوش.
و"في المقابل، فإن المسلمين وحدهم هم القادرون على إنجاز الخطوة الثانية، وهي صياغة ونشر صورة للإسلام تتصف بالحداثة والاعتدال والديمقراطية والحرية والليبرالية والإنسانية وتقبل الآخر واحترام المرأة. هنا يستطيع غير المسلمين المساعدة وذلك بعزل الإسلاميين المتطرفين وعدم التعامل معهم ومقاطعتهم وتأييد المسلمين المعتدلين"، وهذا عين ما طرحه هولبروك في معرض تقييم الانتخابات الرئاسية في تركيا.
لسان حال دانيال بايبس هو أن أوضاع العالم تكاد تكون في حالة سلام ووئام، لولا وجود هؤلاء الإسلاميين المتشددين أو المتطرفين، وعلينا ـ نحن رعاة نظام ما بعد سقوط جدار برلين ونظام ما بعد اعتداءات نيويورك وواشنطن سيئة الذكر ـ التوحد من أجل القضاء على هذا الكابوس التنظيمي، والذي يحمل اسم الحركات الإسلامية "الجهادية"، وأما عن باقي الإسلاميين، معتدلين كانوا ـ حركات وأحزاب "الإسلام السياسي"، أو الحركات الإسلامية الدعوية ـ فهؤلاء مقدور عليهم، سواء عبر تدخل مباشر من قبل الأمريكيين هنا وهناك، أو عبر عقد تحالفات مع هؤلاء، أو تعاطي الأنظمة الزمنية الحاكمة معهم.
أهمية مقالة/رسالة ريتشارد هولبروك، لا تنبع فقط من كونها تعبر عن مأزق الإدارة الأمريكية في مواجهة الإسلاميين الجهاديين، بعد أن تم ترويض المعتدلين بالتنسيق مع الأنظمة العربية والإسلامية، وبإقرار مراجعات في التصور والفعل لدى هؤلاء، وهذا تفصيل ثانوي في المشهد، أو "حكاية صغرى" بتعبير أدبيات الخطاب "الما بعد الحداثي"، وإنما تبرز أساسا في التعبير عن مأزق الجهاز المفاهيمي الغربي وإصرار الناطقين باسمه على إسقاط معالم هذا الجهاز على المجال التداولي الإسلامي العربي، كما لو كنا فئران تجارب، أو أنهم يعتقدون بأن هناك قابلية لدى المنتمين لهذا المجال من أجل قبول هذه الإسقاطات كما هي، وتلكم "الحكاية الكبرى" الأبرز.
ازداد يواخيم فرناو في 1909، وتوفي سنة 1988 في فلورانس؛ أي أنه لم يشهد أصلا سقوط جدار برلين، وبزوغ فجر "النظام العالمي الجديد" وتفجيرات نيويورك وواشنطن، ولكنه، حرر مقولة مسؤولة وجريئة بمقياس بؤس نخب اليوم، وجاء فيها أن "المستقبل مضمون لنا، فإذا ربحت نزعة الأمركة فإنها ستدمر البشرية خلال مائة وخمسين سنة، وستواصل الأرض بعدها دورانها في الفضاء الكوني ككوكب المريخ. أما إذا ربح الخير فإن البشرية ستعيش ما قدر الله لها أن تعيش؛ وفي الحالتين: "رحمتك يا ألله".

منتصر حمادة   الكتاب الحدث عدد 25 

معالم "تيار الاستشراق الجديد والإسلام" للدكتور أوليفييه مووس


معالم "تيار الاستشراق الجديد والإسلام" للدكتور أوليفييه مووس
انبثاق خطاب ثقافوي جديد منتقد للحالة الإسلامية في زمن ما بعد اعتداءات نيويورك ووشانطن 

صدر عن وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الإسكندرية، العدد الثالث من سلسلة "مراصد"، والتي تضم دراسة بعنوان "تيار الاستشراق الجديد والإسلام، من الشرق الشيوعي إلى الشرق الإسلامي"، للدكتور أوليفييه مووس؛ أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة فرايبورغ في سويسرا ومدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس. قام بترجمة الدراسة عومرية سلطاني؛ مترجمة وباحثة في العلوم السياسية.
وتعالج هذه الدراسة موضوع انبثاق خطاب ثقافوي جديد في مرحلة ما بعد الحرب الباردة يتعلق بانتقاد الحالة الإسلامية وبشكل خاص الإسلام السياسي. وتنقسم الدراسة إلى عدة محاور رئيسية؛ هي: تحليل للاستشراق الجديد والرواية النيواستشراقية، وافتراضات الرواية النيواستشراقية، وسياق ظهور الاستشراق الجديد، والتحول من الاستشراق الكلاسيكي إلى الاستشراق الجديد، بالإضافة إلى دراسة كتابات "بات يجاور"؛ المؤرخة في الاستشراق الجديد، وتحليل موقف المرأة المحجبة في الرواية النيواستشراقية، وبحث تداعيات الرواية النيواستشراقية على الحقول الإعلامية والفكرية والسياسية. 
ويبين الباحث أن مصطلح "الاستشراق الجديد" يعكس مذهبًا ثقافويًّا جديدًا ذو طبيعة أخلاقية، وطريقة لأشكلة المجال الإسلامي والعلاقات بين الهوية الإسلامية والهوية الغربية، يقوم على تجديد افتراضات الاستشراق الكلاسيكي ومتطلبات الدفاع عن قيم الديمقراطية والحداثة. ويمثل "الاستشراق الجديد" تجديدًا وإعادة تأهيل للأطروحات الاستشراقية الكلاسيكية في سياق يتميز بأدلجة متنامية للعلاقات بين الشرق الأوسط والدول الغربية، تعمل على تشجيع العودة إلى قراءة ماهوية للمجال الإسلامي. وتفضل الرواية النيواستشراقية تعبئة كُتَّاب ينتمون إلى أوساط متنوعة، ويمكن أن تكون متعارضة على الصعيد الأيديولوجي أو السياسي. 
وتعرض الدراسة أربعة افتراضات يتهيكل حولها الاستشراق الجديد؛ وهي: المجال الإسلامي كل متجانس، الإسلام يشكل استثناء، جمود العالم الإسلامي، العنف الإسلامي هو نتاج ثقافي. ويؤكد الباحث على وجود تحديد مزدوج لعالم عربي إسلامي ينظر إليه ككيان متجانس، ومحددات ثقافية يفترض أنها تقدم معلومات عن الفعل الجماعي والفردي للمسلمين. وينتج عن هذا الموقف سلسلة من الافتراضات المنهجية التي تقدم اقترابًا مبسطًا يختصر ظاهرة تتميز بالتعددية سواء في فضاءات المكان أو الزمان. فالاستخدام المتكرر للمبررات الدينية، واستخدام مفهوم الأمة بحيث يتم تجاهل التقسيمات الجغرافية والثقافية ونفس الأسباب التي تؤدي إلى نفس النتائج، وفكرة الممارسة السياسية الإسلامية المشروطة باللاهوت، هي من ضمن أمثلة عديدة على هذه الافتراضات.
وتستند السمة الثانية على استثنائية الإسلام (كحضارة)، بمعنى فكرة أن الإسلام بوصفه نظامًا للقيم يخبرنا عن كل نواحي الحياة الاجتماعية والفردية للمسلمين، من المواضيع الأقل أهمية مرورًا بالمظاهر العامة ووصولاً إلى الممارسة السياسية والاقتصادية. في هذا المنظور يفسر تيار الاستشراق الجديد نقص أو غياب الإجراءات والثقافة الديمقراطية في الدول العربية والإسلامية بوصفها نتاجًا لعوامل مرتبطة بـ"الهوية" في هذه المجتمعات: الثقافة، والدين، والتاريخ، وأن أي تطور نحو الديمقراطية والاعتراف بحقوق الإنسان لا يمكنه أن يكون إلا نتاج قطيعة أو عملية تغريب.
أما فكرة جمود المجال الإسلامي فترتبط بشكل وثيق بفكرة الاستثنائية، وهي مظهر مهم آخر في الاقتراب النيواستشراقي. ويفترض شكل ما من الاتساق أن ينظر الاستشراق الجديد إلى المجال الإسلامي بوصفه كتلة مصمتة وساكنة، نمط من التعارض الذي يقيمه بين غرب ديناميكي، حديث، يشكل معقلاً للتحرر، ويوفر مساحات للإنجاز الفردي، وبين شرق جامد حيث يتشكل الفرد عبر الثقافة وعبر الدين، المؤطران بقوة عبر الأعراف الاجتماعية والجنسية. ويرتبط مخيال "الإرهاب الإسلامي" بشكل وثيق جدًّا بتعريف لـ" العقلية العربية" وهو ما يفسر استخدام الإرهاب كنتيجة لـ" التأخر" الثقافي، ولخصائص محددة لثقافة عربية إسلامية.

وعن سياق ظهور الاستشراق الجديد، تشير الدراسة إلى أنه من بين النتائج التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، شكل زوال الاستقطاب الإيديولوجي بين المعسكرين دون شك أحد المداخل القوية لفهم انبثاق وخاصة تكريس الرواية النيواستشراقية في المجال الفكري والإعلامي الأمريكي والأوروبي. وأدى انهيار الروايات التي كانت تمنح المعنى، مثل المواجهة بين الليبرالية والشيوعية، في سنوات التسعينيات، إلى سباق لأجل صياغة بديل للتوازن التقليدي بين الشرق والغرب. وتأتي قوة الجذب لدى الرواية النيواستشراقية بشكل خاص من هذا التجديد الذي يطال أطلس الغيرية في الترتيب الذي تقيمه لعالم ما بعد الثنائية القطبية، من خلال اتباع خطوط التوتر المرتبطة بالهوية الإسلامية، حدود الإسلام الدموية هذه التي رسمها "صامويل هنتجتون" على الخريطة بالمعنى الحرفي، في مقالته الشهيرة "صدام الحضارات". 
ويتطرق الباحث إلى فكرة اعتبار الاستشراق الجديد "رهاب علمي"؛ مبينًا أنه عبر المقابلات التي قادها مع عدد من ناشطي حركة الاستشراق الجديد وعبر تحليل المؤلفات والمراجع، اتضح أن النقد الموجه للإسلام هو في قسم كبير منه ليس نتاجًا لحالة عارمة من الإسلاموفوبيا. فإن معاداة الإسلام السياسي بل وحتى انتقاد الإسلام هي بالأحرى نتاج سياقات محددة وللتلاعب بها من قبل مجموعة متنوعة من الفاعلين لخدمة أجندات إيديولوجية أو سياسية، محلية أو وطنية. 
ويؤكد مووس على أن شخصيتان اثنتان كانتا في قلب الانتقال من الاستشراق الكلاسيكي إلى شكله الجديد؛ هما: عالم التاريخ البريطاني "برنارد لويس"؛ الكاتب الذي نهل من تراث الاستشراق القديم والذي ساهم مقاله" ما  الخطأ" في "أثقفة" أو "أسلمة" أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وصامويل هنتجتون"، حيث صاغ كتابه عن صدام الحضارات المفردات والأسلوب المناسب لقراءة هذه الأحداث. 
وتتطرق الدراسة إلى الأطروحات التي طورتها "بات يجاور"؛ وهي مؤرخة بريطانية من أصول يهودية من مصر ، خاصة مصطلحيها حول "الذميانية" و" أورابيا"  التي تميل لتصبح مواضيع مكررة. كتبت يجاور  نصوصًا يظهر فيها مصطلح "الذميانية"؛ اللفظ المشتق من اللفظ العربي "ذمة" التي تشير إلى علاقات التبعية بين السلطة الإسلامية والسكان المسيحيين واليهود والزرادشتية. أما كلمة "أورابيا" فتصف نتاجًا هجينًا من الأوربة والإسلام، وانصهار اصطناعي حيث الضفة الجنوبية المتوسطية التي كانت تمثل حدودًا فيما مضى، تلتهم ضفة شمالية تتغافل عن هويتها اليهودية المسيحية. ويقول الباحث إن كتابات المؤرخة البريطانية، ومنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، وبفعل استثمارها في رواية الفاشية الإسلاموية، لا تجد صدى حماسيًّا لدى جمهور أقل أو أكثر تطرفًا من الناحية الأيديولوجية فحسب، ولكنها أيضًا تؤثر في أوساط أكثر أهمية من الناحية الفكرية. 
ويؤكد الباحث أنه في أوربا بشكل خاص، تتناول التفاسير النيوإستشراقية الممارسات المرتبطة بالحجاب كرمز يحيل، بشكل مزدوج، إلى حالة تمييز بين سلطة ذكورية فاعلة وبين خضوع أنثوي سلبي، وكشعار يدل على الفصل بين فضاء الحداثة وبين تقليد غابر. ويحاول تفسير النجاح في الربط المشترك بين المرأة المحجبة وبين فكرة الخضوع في المجتمعات الغربية. وذلك ممكن بفضل أداة كاشفة يوفرها نجاح نشر السير الذاتية لنساء "منشقات"، أي نساء مسلمات سابقًا اخترن الانتقال الرمزي من الشرق الإسلامي إلى الغرب العلماني. وفي أدبيات الاستشراق الجديد، فإن هذا الانتقال لا يمكن أن يتم بدون حدوث قطيعة أو ردة.
وتمثل شخصية مثل "أيان هيرسي علي"؛ النائبة الهولندية السابقة ذات الأصول الصومالية،  تجسد، عبر كونها امرأة، ومن خلال لهجتها الحادة، وسيرتها الذاتية، رمزية هذا " المنشق في الإسلام"؛ اللقب الذي تعلنه عن نفسها بشكل صريح. وتؤكد حالتها اثنتين من الحجج الرئيسية في الرواية النيوإستشراقية: الأولى هي وجود تعارض بين فضاء غربي، تحرري وبين فضاء إسلامي غير صالح ثقافيًّا أمام التحديث، والثانية في تقديم الحل للعالم الإسلامي إذا كان يريد الخروج من عصوره الغابرة فيحدث قطيعة مع "الإسلام". 
مجموع هذه الإدراكات الواعية وغير الواعية التي تتبلور من حول "المرأة" هي التي تفسر العلاقة المتفردة التي تقيمها النظرة الغربية بين "المرأة المحجبة" وبين الآخرى" المسلمة المنشقة". عبر خلع الحجاب، سوف تتحرر هذه الأخيرة وتصبح غربية فإذن، حديثة. الممارسات المتعلقة بارتداء الحجاب تحمل دون شك معان عدة، تختلف حسب السياق، سواء بالنسبة للمحجبات كما في أعين أولئك الذين يتواجهون مع هذا الرمز. وإذا كانت ثنائية "التحرر عبر خلع الحجاب" في مقابل "حجاب رجعي" لا تشدد سوى على البعد المتعلق بإلخضوع من ضمن التفسيرات الآخرى الممكنة، إلا أنه يأخذ كامل معناه في الرواية الاستشراقية. 
ولم تعد ديناميكية الهيمنة التي ترتكز على استخدام صورة المرأة على ما يبدو ذات طبيعة استعمارية فحسب، لكنها يمكن أن تستخدم أيضًا كتبرير دقيق لروايات صراعية في داخل الدول ومن خارجها. هكذا فإن إدانة وضعية المرأة والواجب المعنوي في تصحيح هذا الظلم الواقع عليها هي مكونات هامشية، من ضمن آخرى، جري إعادة استخدامها من قبل إدارة جورج بوش الابن (2001-2009)، بهدف أن تضيف إلى الاستجابة العسكرية لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، بعدًا تدخليًّا ذا طبيعة حضارية.
ويختتم الباحث دراسته بسؤال حول التشويش الذي أحدثه نجاح الرواية النيوإستشراقية، وما إذا كان له تأثيرات جانبية عملية أم أنه سيظل خطابًا هامشيًّا في وجود متغيرات قوية أخرى. ويبين أن الحتميات الدينية وفكرة الاستمرارية الثقافية تخلق اليقين والقدرة على التوقع، فتمارس بذلك جاذبية على حزمة واسعة من الفاعلين، وسواء أن يتم اعتماد هذا الخيار عن تقليد أعمى أو عن عقيدة أو بشكل براغماتي، فليس أكيدًا أن تَبَنّي هذه الأفكار وهذه اللغة لا يحمل تأثيرًا على إدارة المعلومات والقرارات والإجراءات المتخذة لدى هؤلاء. ذلك أن اللغة والمفردات المستخدمة، وطريقة "سرد" التهديد الإسلاموي، والنماذج التفسيرية تساعد في تأطير هذه الالتزامات، سواء على المستوى المحلي كما تكشفه على سبيل المثال، حجج المبادرة السياسية ضد بناء المآذن في سويسرا، أو على المستوى العالمي كما في حالة نموذج النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
ويؤكد الباحث على أنه لا يجب أن ينسب إلى الرواية النيوإستشراقية أثر قد يكون غير متناسب مع حجمها الفعلي. فالصورة المشوهة لهوية ولإستراتيجيات النضاليات الإسلامية المتورطة في النزاعات أو في مناطق التوتر، بالإضافة إلى الأدوار المختلفة، المؤسسية والمهنية التي يتولاها دعاة هذه الحركية، لا تستنفذ العوامل المتداخلة في عملية اتخاذ القرار أو عدد إلخيارات المتاحة أمام صناع القرار. وبالرغم من ذلك، فإن التعرف على تيار نيواستشراقي والفاعلين الرئيسيين فيه يسمح بتسليط الضوء على أحد الوكلاء الذين يتدخلون في تقليص إدراكاتنا وقدرتنا على التفكير بشأن مجال واسع للحركة بشكل مكتمل. هذا هو المظهر الرئيسي في الاستشراق الجديد الذي بذلنا جهدًا لتوضيحه: التناقض الظاهر بين الجذب الذي يمارسه حتى في الأوساط الأكثر تخصصًا، وبين طبيعته غير الإجرائية في نظر العلوم الإنسانية والاجتماعية.
ويبين مووس أن الهدف الرئيسي للاستشراق الجديد ليس توفير أداة لفهم التحديات السياسية والاجتماعية التي يتورط فيها الفاعلون الإسلاميون، بل في التحرر من الوقائع التي لا تتوافق أو تتوافق بصعوبة مع "مصالح" هوياتية، أو مهنية، وأيديولوجية، أو أيضًا سياسية. إمكانية إثبات وتأكيد هذه المصالح بإخفاء التحاليل المنهجية للأحداث والعلاقات بينها، لفائدة سرد للقصص، هي التي تجذب عددًا غير يسير من المتكلمين ومن الجمهور. وإذا كانت هذه الرواية لا تفسر شيئًا فهي في المقابل تحكي قصة صراع تعرض التفاعلات بين الهوية الغربية والهوية الإسلامية، حيث يتم فيها تسطيح للوقائع إلى حد كبير. يذكر أن العدد الأول من سلسلة مراصد قدم دراسة بعنوان، "تسلف الإخوان: تآكل الأطروحة الإخوانية وصعود السلفية في جماعة الإخوان المسلمين"، للباحث حسام تمام، بينما تم تخصيص العدد الثاني لدراسة "اليسار المتحول للإسلام: قراءة في حالة الكتيبة الطلابية لحركة فتح"، لنيكولا دوت بويار. تصدر "مراصد" عن وحدة الدراسات المستقبلية، ورئيس تحريرها حسام تمام؛ رئيس وحدة الدراسات المستقبلية، ويشرف عليها الدكتور خالد عزب؛ مدير إدارة الإعلام بمكتبة الإسكندرية، وسكرتارية التحرير عبد الوهاب شاكر وأمنية الجميل.

الكتاب ماوراء الحدث عدد 24

تفاعلات الإسلام السياسي والميديا هكذا أصبحت وسائل الإعلام الرقمية أداة هامة من أدوات الإسلام السياسي


حظيت الحركات الإسلامية بنصيب كبير من الدراسات على مستوى العالم، ركز غالبيتها على المذاهب الإسلامية، الأيدولوجيات المختلفة، المسارات السياسية التي سلكوها، علاقاتهم مع السلطة، مشاركتهم في المجتمع السياسي وانتشارهم العابر للحدود. ولكن لم تستطع كل هذه الدراسات الكشف عن العديد من أسرار هذه الظاهرة وذلك لأنها ظاهرة متطورة ومعقدة مثل العديد من الظواهر الإجتماعية الأخرى.
لذا فقد خصص المركز الفرنسي لدراسات الشرق الأوسط أحدث إصداراته البحثية لتناول موضوع الإسلام السياسي والميديا، وهو من الموضوعات الهامة التي لم يتم تناولها إلا بشكل ضئيل، فمنذ أحداث 11 سبتمبر وانهيار النظام العراقي، أصبحت وسائل الإعلام الرقمية أداة هامة ميزت الإعلام العربي والعالمي وكانت في الوقت نفسه أداة من أدوات الإسلام السياسي وظفها من أجل نشر معتقداته وللتصدي للحروب العدائية التي تشن ضده. إضافة إلى أن المشهد الإعلامي العربي خضع منذ منتصف 1990  لتغييرات كبرى لابد أن نأخذها في الاعتبار.
قدم هذا الكتاب العديد من إسهامات الباحثين، والحاصلين على الدكتوراه والصحفيين، الذين اعتمدوا في تحليلاتهم على الدراسة الميدانية، والذين قدموا وجهات نظر جديدة من أجل الكشف عن كيفية استخدام الإسلاميين للإعلام ومعالجتهم للصراعات والنزاعات التي تكون الحركات الإسلامية طرفا فيها، كما يلقي الكتاب الضوء على حقيقة الإصدارات السنية والشيعية، واستخدامهم للمشاهد المرئية والسمعية من أجل تحقيق التعبئة وللتأثير على العالم الخارجي.
وتحاول مساهمات الباحثين أن تكشف عن وسائل الإعلام الغير مألوفة التي لجأ إليها العالم العربي من أجل التعبئة السياسة، فلم يقتصر الأمر على القنوات الفضائية أو مواقع الانترنت بل كذلك الأساليب المنهجية من أجل تحفيز الناس وذلك من خلال الفيديو كليب والإعلانات.
اتسع مجال الدراسات التي يحتويها الكتاب لكي تشمل الجهات الإسلامية المختلفة بالإضافة إلى توضيح الآراء المختلفة حولها سواء كانت سنية أو شيعية المنخرطة في الحياة السياسية سواء كانت داخلية أو عابرة الحدود، منظمات مسلحة، تيارات سياسية. كما تكشف هذه الدراسة المتنوعة (من حيث مناهج الدراسة أو الأساليب المستخدمة للتحليل هذا الموضوع) عن الأساليب الجديدة للمشاركة الإسلاميين وتثير التساؤلات حول كيفية تطور الإسلاميين والأزمات الإجتماعية من انشقاقات تسببها هذه الجماعات مع تقديم العديد من المنظورات التجريبية.
يضم الكتاب عددا من الأبحاث، اهتمت المجموعة الأولى بظاهرة الإسلام السني، خاصة في مصر التي تعد حقلا لظهور العديد من القنوات الدينية المختلفة، وتنقسم هذه المجموعة إلى ثلاثة مقالات مختلفة:
الدراسة الأولى لوائل لطفي (كاتب وصحفي) وتدور حول القنوات الفضائية التي تمثل الدعاة الجدد، حيث ربط الكاتب هذه الظاهرة بالسياق السياسي والاجتماعي في مصر في آخر 1990، في الوقت الذي كانت تبحث البرجوازية المصرية فيه عن مشروع سياسي واجتماعي وأيضا شكل جديد من التدين أكثر طمأنينه وكان النموذج المقدم هو عمرو خالد.
وجاءت الدراسة الثانية التي قدمها حسام تمام (باحث في الحركات الإسلامية وصحفى) حول الزحف السلفي في السنوات الأخيرة في العالم العربي. تناول الكاتب مسألة انتقال الوعظ من مؤسساته التقليدية أي المساجد إلى التلفزيون الذي يعد وسيلة حديثة تتمشى مع متطلبات العصر حيث تحكمها قانون السوق، وقد اتخذ قناة الناس نموذجا في تحليله.
في الدراسة الثالثة تناولت الباحثة في المركز الفرنسي للشرق الأوسط ألفا لملوم مجالا آخر من مجالات الدراسة وهو موقع إسلام أون لاين الذي يمثل الإسلام المعتدل قبل نقله مؤخرا من مركزه في القاهرة وتغيير سياسته، حيث كان يمثل نقطة توازن غير مستقرة بين عدة ديناميات مختلفة من الإسلاميين وغير الإسلاميين من جانب وكونه شكلا جديدا للالتزام الإسلامي.
ثم جاء بحث ميشيل ثابت (دكتوراه في علم الأنثروبولوجيا البصرية) مختلفا عن المجموعة الأولى السنية، آخذا حزب الله ممثلا للشيعة في لبنان حيث برز كعنصر فاعل لا يمكن تجنبه سواء على المستوى الديني وقدرته العابرة لحدود للوطن. وبتحليل الكاتب للفيديو (لن تمحو ذكرانا) الذي قدمه حزب الله توصل إلى أن الأساس الذي يقوم عليه هذا الحزب هو الصهر بين التعبئة الدينية خاصة الشيعية والتعبئة السياسية والعسكرية التي يدعو إليها حزب الله.
أما المجموعة الأخيرة فقد عكست التصوير المتضارب للصراعات وتقديمه بأشكال مختلفة وذلك من خلال الفيديو الكليب الذي قدم فيه كل من بودوان دوبريه (باحث بمركز الدراسات الاجتماعية لعلوم السياسة) وكلاوس إنريكي (الحاصل على دكتوراه) وصفا تحليليا مقارنا، فالفيديو كليب الأول أخرجه حزب الله تحت عنوان "لا للإرهاب" والثاني أخرجته قناة المنار تحت عنوان "نجسوا الأماكن المقدسة" والذين يمثلوا دعوة ضد الإرهاب.
جاءت المساهمة الأخيرة لفابريس ويسمان الذي تولى قضية الحروب في دارفور كما عكستها وسائل الإعلام فى فرنسا وذلك من خلال البحث وراء الأطر التفسيرية التي تم تناولها في تقديم هذه القضية عبر الإعلام.

ماوراء الحدث عدد 23

السلطة والمعارضة.. المجال السياسي العربي المعاصر بأعين المعارضة المغربية بين الإخفاق السياسي والتصحر الفكري


تتناول مادة هذا الكتاب المجال السياسي العربي المعاصر: تكوينه ومسارات تطوره، وأنماط التناقض والصراع فيه، والديناميات العميقة التي تؤسس علاقاته وثنائياته، من خلال التوقف عند واقع المعارضات السياسية في المنطقة العربية، والتي يصنفها المؤلف، ضمن نمط المعارضة التي تعيش حالة من الأزمة والتراجع، ولا يتعلق الأمر هنا بالمعارضة اليسارية والوطنية والديمقراطية التي هيمنت في عقود سابقة، فقط، بل هو يتعلق أيضا بالمعارضة الإسلامية (الحركية).
ويجب التذكير أولا، أن الكتاب صدر قبل التطورات السياسية التي يمر منها المغرب خلال الأسابيع الأخيرة، والتي لا تخرج عن تطورات أكبر تهم المنطقة العربية برمتها.
نحن في ضيافة كتاب "السلطة والمعارضة: المجال السياسي العربي المعاصر"، وألفه الباحث عبد الإله بلقزيز، وصدر عن المركز الثقافي العربي (بيروت/الدار البيضاء، وجاء العمل موزعا على 171 صفحة من الحجم المتوسط)، مفضلا في الفصل الأخير الاشتغال على نموذج المعارضة في المغرب، ولا تختلف معالم مآزق المعارضة في المغرب مع تلك المُميّزة للمعارضة في باقي الدول العربية، فنحن جميعا، أبناء "عقل عربي" واحد، وإن كان ثمة اختلاف، فيكمن في "تلك الخصوصيات الثقافية" لهذا العقل العربي القطري على ذلك..
ولأن شعارات الإصلاح والديمقراطية على رأس الشعارات التي ترفعها أغلب المعارضات العربية، فقد توقف الكاتب مليا عند هذه الشعارات، من خلال نقد "الشماعة" الديمقراطية، دون سواها، وذلك تأسيسا على نقاط ثلاث: الأولى أن هناك فرق شاسع بين الشعار السياسي ـ وهو حال المعارضة العربية ـ وبين المشروع السياسي، إذ ما كل صاحب شعار صاحب مشروع.
وثانيها، أننا لا نعثر في أدبيات أحزاب المعارضة على رؤية نظرية متماسكة للنظام الديمقراطي ـ كما هو الحال مع الأحزاب الديمقراطية في الغرب مثلا ـ بل على عموميات حول كيفية الوصول إلى السلطة أو كيفية إدارتها.
وثالثها أن الابتذال السياسي لمفهوم الديمقراطية بلغ حدا أصبح معه سائر الأحزاب يدعي الديمقراطية، وحتى الأحزاب التي تستعمل المال لإفساد الحياة السياسية، وتشتري أصوات المواطنين، باتت تدعي جهرا أنها ديمقراطية وصاحبة مشروع سياسي ديمقراطي!
لم تسلم المعارضة المُجسّدة في الحركات الإسلامية من انتقادات صريحة للمؤلف، معتبرة أن مقولة "الإسلام هو الحل" كانت، منذ حسن البنا، ومازالت شعارا للتعبئة والتجييش، وليست مشروعا سياسيا بالمعنى الحقيقي للملكة؛ أو التأكيد على أن سائر المحاولات التي بذلت حتى الآن لصناعة فكرة "الاقتصاد الإسلامي"، من قبل مُنَظِّري الحركة الإسلامية، لم تصل بعد إلى تمييز نفسها من المثالين الاقتصاديين المهيمنين في العالم: الرأسمالي والاشتراكي، والشيء نفسه يصدق على الحديث عن "الدولة الإسلامية" التي ما فتئ الوعي بها يتأرجح حتى اليوم بين الفكرة الشمولية والفكرة الليبرالية عن الدولة!
من ميزات بعض أنماط المعارضة العربية خلال السنين الأخيرة، تلك الخاصة بالتعاون مع الأجنبي، حيث اعتبر بلقزيز أن الاستتباع لنظام أجنبي معاد بات يشكل ظاهرة جديدة خطيرة تَسِمُ بعضا من المعارضات العربية، بل أصبح يشكل وصمة عار على جبين السياسة والمعارضة في الوطن العربي. والمثل الصارخ لتعاون بعض الأحزاب المعارضة مع الأجنبي هو مثال قسم من المعارضة العراقية قبيل الحرب القائمة في العراق (سواء تعلق الأمر بالمعارضة الموالية للإدارة الأمريكية، أو تلك الموالية لإيران)، ومرد ذلك أن التحالف مع الأجنبي تحت أي عنوان دون هدف وطني، ودون خلفية سياسية وطنية، خيانة للشعب والأمة والوطن، وإقرار صريح بأن الولاء للعدو وليس للأمة أو الوطن.
وثانيا، لأن هذه الفصيلة من "المعارضة" تُجافي في الطبيعة سائر أصناف المعارضات والأحزاب في التاريخ، لأنها لا تأخذ شرعيتها من شعبها، وإنما من العلاقة مع العدو الخارجي، وعليه، فهي في مقياس السياسة ليست معارضة.
فيما يتعلق بطلب الديمقراطيات الغربية على دور المعارضة، فيأتي حسب المؤلف في سياق قيمة الدور الذي تقوم به المعارضة، تلك القيمة التي تتحدد حصريا في مد الحياة السياسية بالاستقرار وحمايتها من الاضطرابات، وهي القيمة التي تجعل من المعارضة عنصر توازن في المجتمع وليس عبئا أو مصدر إزعاج للسلطة السياسية في البلاد، أما الشرط الأساسي لحصول المعارضة على هذه القيمة وقيامها بهذا الدور فهو يتحدد في شرعيتها المستمدة من تمثيلها لكل القوى والفئات الاجتماعية وتعبيرها عن مصالحهم بشكل عام، بجانب شرعيتها المستمدة من الضمانات القانونية.
إذا كانت المعارضة السياسية في الوطن العربي، من دول الخليج العربي إلى دول المغرب العربي، بهذه الصورة القاتمة، فما السبب وراء ذلك؟
يجيب الكاتب على التساؤل من خلال التوقف عند أربع مسببات رئيسية: الإخفاق السياسي، والدوغما الفكرية (أو "التصحر الفكري"، كما يشير في موقع آخر)، والغُربة عن تحولات المجتمع، وأخيرا، الانسداد التنظيمي، ويعبر عنه بجلاء انعدام حياة ديمقراطية داخل التنظيم السياسي، وترهُّل بناه وهياكله وهيمنة المنزع البيروقراطي فيه، وثمة ظواهر ثلاث تُعْرب عن درجة الاختناق التنظيمي العالية، وتفسِّر التآكل في القدرة التمثيلية هي: الانسداد في الحياة التنظيمية، والبيروقراطية، والانشقاقات.
الأدهى، أن أزمة المعارضة السياسية في الوطن العربي ليست قابلة للاستدراك أو التجاوز، بمجرد إجراء تعديلات في الخيارات السياسية والهياكل التنظيمية لقوى هذه المعارضة تحت عنوان التأقلم مع متغيرات المجتمع والسياسة. ذلك أن الأزمة، برأي المؤلف، أعمق بكثير من هذا النوع من التشخيص الذي يقترح عليها معالجات سياسوية، مضيفا أن ما تفرضه هذه الأزمة، هو أقرب ما يكون إلى إعادة البناء، ويفرق هنا بين إعادة بناء ما دمرته هذه المعارضة نفسها من عمران سياسي واجتماعي وتنظيمي شيدته جماهيريا ورصفه مناضلوها في الماضي، وبين إعادة بناء ما دمرته صراعات السلطة مع المعارضة (البعد الخارجي في الأزمة)، ويشير المؤلف في هذه الجزئية، إلى أن أكبر مشكلات المعارضة السياسية في الوطن العربي أنها تعمل في مجال سياسي نابذ، أي في مجال سياسي لا يقدم لها إمكانية حقيقية للاشتغال الطبيعي، بَلْه لأداء دور! فالغالب على البُنَى السياسية العربية غياب هذا المجال الوسيط بين الدولة والمجتمع بالمعنى الحقيقي لمفهوم المجال أو الحقل السياسي.
وعن السبيل إلى الخروج من هذا النفق الذي حُشِر فيه الخطاب السياسي لقسم كبير من المعارضة العربية، فيكمن في إعادة تأسيس هذا الخطاب على قواعد جديدة، هي عينها قواعد السياسة والعمل السياسي في المجتمعات الحديثة، وفي قائمة قواعد ثلاث: العقلانية، والواقعية الإيجابية، والتاريخية، ولو توقفنا فقط مع ثقل المنظومة العقلانية، يؤكد بلقزيز، أن العقلانية في السياسة، وفي الخطاب السياسي، تفترض أولا أن تقوم السياسة على مقتضى العقل لا على مقتضى الهوى والمزاج، وتفترض أن تكون السياسة برنامجية، وتفترض ثالثا، أن يخاطب الخطاب السياسي عقل الناس (أو الجماهير) لا وجدانها ومشاعرها.

الخميس، 5 مايو 2011

الإسلاميون.. سجال الهوية والنهضة إسلاميون نجحوا في تطوير الخطاب وآخرون لا زالوا مؤمنين بالدولة الثيوقراطية


كتاب هام من عدة زوايا، ذلك الذي أتحفنا به الباحث نواف القديمي، ويحمل عنوان: "الإسلاميون.. سجال هوية والنهضة".
مهم لأنه يضم اجتهادات معرفية للائحة من المفكرين والباحثين العرب بخصوص الظاهرة الإسلامية الحركية، ولأن الظاهرة مجتمعية ومُرَكّبة في آن، فإنها، بتعبير المفكر الموسوعي الراحل عبد المسيري (تغمده الله برحمته)، تتطلب ما كان يصفه بـ"نموذج تفسيري مُرَكّب"، وهذا عين ما نطله عليه بشكل أو بآخر في هذا العمل، من منطلق أن أنه يضم عدة قراءات من مرجعيات مختلفة.
الكتاب عبارة عن تجميع لدراسات ومقالات تتعرض بالتقييم والنقد للحركات الإسلامية، يجمع بينها النشر في يومية "الشرق الأوسط" اللندنية، وجاءت فصول العمل تحت العناوين التالية: موسم العنف وسؤالات المعرفة، قلق "الإسلام السياسي"، حُلم النهضة، سجالات "الصحوة" و"التنوير"، جدل الديمقراطية، تضخّم الشيخ وتضاؤل المرأة، أحاديث الحرية. وضمن كل فصل من هذه الفصول نطلع على عناوين فرعية لموضوع اشتغلت عليه ثلاثة أسماء، ونقرأ ضمن هذه العناوين: "أسلمة المعرفة هل تقودنا نحو "الإسلام الشمولي"؟"، "رواج البحث في "الإسلاميات": شعور بأهمية الفكر الإسلامي"، "في التطرف: أيهما أسبق النزوع الفطري أم التطرف الفكري؟"، "سيد قطب: هل شكل فكرا مأزوما أم دفعة نحو الفاعلية؟"، "جدلية الدين والسياسة من يطوع من؟"، هل يجب الفصل بين الدعوي والسياسي؟"، "هل تجاوز الفكر الإسلامي حلم إقامة الدولة الإسلامية؟".

+++ المسيري .. ناقد الحداثة الداروينية
ميزة العمل أيضا، أنه ضم إحدى مساهمات المفكر الموسوعي الراحل، عبد الوهاب المسيري (رحمه الله)، والذي لا يبدو أن صناع القرار الثقافي في الوطن العربي والعالم الإسلامي استوعبوا ثقل الخسارة الثقافية التي جسدها غيابه المادي، والتقليل من موروثه الروحي والمعرفي.
نبدأ بالذي صدر عن عبد الوهاب المسيري، في محور خاص بموضوع "أسلمة المعرفة"، معتبرا أن مشروع أسلمة المعرفة، ليس فريدا أو شاذا، بل هو جزء من تيار عالمي أدرك أن الأطروحات المادية الضيقة التي تصدر عنها الحداثة الغربية الداروينية قد أدخلتنا في طريق مسدود، من أزمة بيئية إلى أزمة أخلاقية إلى حالة صراع. ولذا فثمة بحث مستمر عن حداثة إنسانية ترفض التقدم المادي المستمر وتصاعد معدلات الاستهلاك كهدف نهائي.
من جهته، وصف الباحث اللبناني علي حرب المشروع بالردة العقائدية على التفوق المعرفي الغربي وتغليب لعقلية الدعوة والنضال على لغة الفهم والمعرفة، مضيفا أن مقولة الأسلمة تصنيف للعلوم والمعارف على أساس ديني ربما يتعارض مع تصنيفات العالم للعلوم طبقا لمجالاتها بل ربما يتعارض مع تصنيفات العرب الأوائل للعلوم بين عقلي ونقلي وبرهاني وعرفاني، ليخلص إلى أن أسلمة المعرفة أحادية شمولية وماثلها بدعاوى الأصوليين حول الفرقة الناجية، بل ذهب إلى مرتبة اتهام المشروع بتقويض مشاريع التحرر من الهيمنة لأنه أمام انغلاقها تترك للآخرين حرية التفكير لنا لأنهم يفكرون عالميا، في تقاطع مع ما أشار إليه الباحث السعودي عبد العزيز الخضر (رئيس التحرير السابق لصحيفة "المحايد" السعودية، ومحرر مقدمة العمل)، حيث اعتبر أن مفهوم إسلامية المعرفة من شأنه تشكيل إعاقة معرفية في المستقبل لأن العلم وآلياته، يغلب عليه طابع الحياد ويتضح هذا الحياد غالباً في مجال العلوم الطبيعية، وجاعلا من المشروع امتدادا في عقوده الأخيرة لما كان من محاولات بسيطة تمت في أوائل القرن الماضي وأنه يأخذ أكثر من اتجاه، بعضها محاولة لإبراز بعض الجوانب الإعجازية في القرآن والسنة النبوي، وبعضها الآخر في التنقيب عن الجهود العلمية المتميزة الموجودة في تراث الحضارة الإسلامية في أكثر من مجال كمحاولة لوضع صيغة إسلامية للعلوم الطبيعية والإنسانية.
بالنسبة للمشرف على تجميع العمل، الباحث نواف القديمي، نقرأ في مبحثه "الإسلام السياسي جدلية الديني والسياسي"، أن البحث عن الخيط الفاصل بين "الديني" و"الدنيوي"، بما يتضمنه من نزعات سياسية واجتماعية وسواها، من أهم وأعقد المباحث الفكرية والفلسفية في العصر الحديث. وبالنتيجة، أصبح الحديث عن "الإٍسلام السياسي"، أكثر رواجا من أن يقتصر على اهتمام الدوائر البحثية والثقافية بسبب تزايد أهمية هذا المبحث لارتباطه المباشر بالفعل السياسي الملتصق بحياة الناس، ودخوله ميدان التأثير المتزايد على دوائر السياسة الدولية. خصوصا بعد أحداث سبتمبر التي جعلت الحديث عن "الإرهاب" مرتبطا في كثير من الأحيان بالحديث عن "الإسلام السياسي".
إضافة إلى ذلك، فإن هذه الحركات والأحزاب السياسية الإسلامية، تبقى في حقيقتها تجمعات ديمقراطية تؤمن بالتعددية السياسية وبحرية تشكل الفكر ضمن الفضاء السياسي والثقافي المفتوح. وباتت تعلن أنها لا تحتكر فهم الإسلام، وأنها لا تمثل إلا رؤاها وأفكارها السياسية.

+++ الإسلاميون بين خيارين 
في الاتجاه المعاكس لهذه المقاربة، نقرأ للكاتب والإعلامي المصري صلاح عيسى أن التيار الإسلامي كان ولا يزال، أحد التيارات الأصيلة، في الحركة الوطنية العربية، منذ حلقاتها الأولى، وأنه ساهم مع غيره في مواجهة الاحتلال الأجنبي، وتحقيق الاستقلال الوطني، ولا ينازعه أحد، حقه في التواجد المشروع، على الخريطة السياسية في مجتمع ديمقراطي تعددي، لولا أن الذين يشكون ويشككون في مدى إخلاص جماعات الإسلام السياسي للديمقراطية، لا ينطلقون من فراغ، إذ أنهم ينطلقون من وقائع راهنة، ويعبرون عن مخاوف مشروعة، وهي مخاوف من مصلحة جماعات الإسلام السياسي أن تعرفها، وأن تعترف بشرعيتها، وأن تتحاور حولها، بدلا من الشكوك المتبادلة.
وبعد ترحال مطول للكاتب مع مستجدات الظاهرة بعد صدمة اعتداءات نيويورك وواشنطن، وتعاطي إسلاميي الوطن العربي مع مفاهيم الديمقراطية والمواطنة والعلمانية، مدققا على الخصوص في "العلمانية السياسية"، يدعو عيسى الحركات والأحزاب الإسلامية لضرورة الحسم في أحد خيارين لا ثالث لهما: إما أن تتحول "الأحزاب الإسلامية"، من أحزاب سياسية، إلى جمعيات دعوية وخيرية، تدعو للحفاظ على فرائض الدين وللتضامن بين المؤمنين به، من دون أن تقحم نفسها بالشأن السياسي، أو أن تفتح باب الاجتهاد، للتوصل إلى صيغة، تسمح لها بالعمل السياسي، انطلاقا من الإقرار بالعلمانية السياسية، على النحو الذي فعلته الأحزاب الديمقراطية المسيحية في الغرب.

+++ مأزق الإصلاح الديني
الاستشهاد بالتجربة الغربية في الإصلاح الديني، يحيلنا على ما جاء في مبحث رصين للباحث عادل الطريفي، مدققا أولا في الجواب على السؤال المطروح بتساؤل وتفكر أكثر من إدعاء الوثوقية الزائفة التي يفرضها المنطق الأيديولوجي الديني والقومي: "هل الطريق إلى الحضارة، يمر لزاما عبر الإصلاح الديني؟"، وبتعبير أفصح: "هل الإسلام اليوم بحاجة للإصلاح الديني لكي تكتسب الشعوب الإسلامية الحضارة الغربية الحديثة؟"، (ما دام صلاح عيسى، يحيلنا قطعا على النموذج المعرفي/الحضاري الغربي، دون سواه، على غرار ما يصدر عن العديد من المفكرين والباحثين العرب، داخل وخارج المجال التداولي الإسلامي العربي).
لا يقل السؤال الثاني أهمية عن الأول: "هل يمثل الإصلاح الديني الحل؟"، ملاحظا أن الإجابة لا يمكن أن تكون بنعم أو لا في هذه الحالة. فالعالم الإسلامي والعربي بحاجة إلى إصلاح ديني بالمعنى اللوثري البروتستانتي، الذي يمهد للانتقال من المفهوم "الأرثوذوكسي ـ السلفي" لفهم الإسلام إلى فضاء التأويل النصوصي والنقدي للكتب والآثار الدينية، ويكمن المأزق المفاهيمي الأكبر في مشروعات من هذا النوع، أنها موؤدة تحت حراب الحركات الإسلامية التي تتميز إيديولوجيتها الدينية بأنها "إيديولوجيا اختزالية".
أما عبد الوهاب الطريري، فقد اعتبر أن الدين مكون أساسي للشعوب المسلمة لا يمكن سلخها منه والانطلاق بها خارجه، وأي مشروع حضاري أو نهضوي في العالم الإسلامي محكوم بالفشل ما لم يعتمد البعد الديني الذي يحشد الناس ويجيشهم لصالح دعم هذا المشروع، والانطلاق الحضاري لا بد أن يكون مستصحبا لمنظومة القيم والأخلاق والعلوم والمعارف، والإسلام جاء آمراً أمر وجوب أو استحباب بذلك، فلا بد للحضارات من الإسلام بهذا المفهوم وهذه التركيبة، وإذا كانت الشواهد دليل النجاح فالتاريخ فيه شواهد رائعة.
بالنسبة للباحث الأردني رحيّل غرايبة، فيرى بداية أنه من الظلم الفادح أن يتم السماح بتأسيس الأحزاب السياسية من كل لون ومن كل فكر باستثناء الأحزاب التي تستند إلى رؤية الإسلام وفلسفته، بحجج واهية وخادعة، وغالبا ما يقال لأنها أحزاب دينية، أو الزعم باستغلال الدين، مدققا في أن هذا الاتهام لا يستند إلى منطق بشري ولا منطق ديمقراطي، ولا منطق حقوقي.. ولا يستند إلى فهم صحيح للإسلام، من منطلق أنه لا يوجد من يملك قرار مصادرة هذا الحق بوصفه وصيا على الشعب، أو وصيا على الديمقراطية. وأن الذين يرفعون أصواتهم بنفي حق الأحزاب الإسلامية بالتشكيل والعمل والمشاركة في الحكم أو المشاركة في العمل السياسي إنما يعد ذلك مصادرة للحق المكفول بكل شرائع السماء والأرض.

+++ بين الديني والسياسي
ارتأى أسامة الغامدي، في باب "الإسلام السياسي: جدلية الدين والسياسة"، افتتاح مداخلته على ما يشبه مُسلّمة، مفادها أن رسالة الإسلام في الأصل أخلاقية ومعرفية، تأسيسا على ما جاء في الآية الكريمة: "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة" (سورة الجمعة. الآية 2)، بما يخول له التفريق بين وظيفة "الدين" الرئيسة وبين اجتهادات بشرية كشريعة حمورابي مثلا التي عنيت بالإجراءات والجزاءات، بينما كرس الإسلام القيم وترك السياسات للبشر يبتليهم بمحاولة استنباطها وفق سنن الاجتماع والعمران. ولكي لا يبقى الباحث متجنيا، يعترف أن طرحا كهذا عن ضرورات ومبررات "الحل الإسلامي"، بدأ يتراجع منذ أوائل التسعينات لصالح فكرة التواصل الإنساني، والبحث عن المشترك الحضاري، والإفادة من تجارب الأمم الأخرى.
أما أهم الخلاصات التي تتقاطع مع المدافعين عن أطروحات الإسلاميين في الكتاب، فيمكن إيجازها في النقاط التالية، كما جاء في خاتمة مبحث الغامدي، دون سواه:
ـ أن بعض الحركات الإسلامية نجحت في تطوير خطابها واستطاعت أن تتواصل مع اللغة السياسية السائدة عالميا بشكل إيجابي. وأدركت أنه لم يعد من المقنع المماحكة في قضايا كبرى كحقوق الإنسان، أو الافتئات على الديمقراطية، أو مشاركة المرأة في الحياة العامة بدعوى الخصوصية الثقافية والاجتماعية، وأن الخلاف حول التطبيقات والآليات يجب ألا يطال المفاهيم والأفكار فتتعطل القيم والمضامين.
ـ للإسلام مقاصد عليا من تحقيق العدل و ضمان الحريات والسعي للسلام العالمي والتواصل الحضاري وهو ما يجعله كفيلا بتشرب هذه القيم التي باتت أعلى من أي أيديولوجيا تحاول احتكارها، بما في ذلك (الغرب) الذي بشر بالعولمة ديناً جديداً يحاول تكريس هذه القيم بشكل منفرد.
ـ أن بعض الاتجاهات الإسلامية لازالت تؤمن بفكرة الدولة "الثيوقراطية" التي تحكم باسم الله، إذ لا سبيل والحال كذلك للشفافية والمحاسبة وتداول السلطة، وهذه مفاصل الممارسة السياسية المتقدمة، بل من صلب ما دعا إليه الإسلام في أمر الولاية.


ماوراء الحدث عدد 22 ل 4 ابريل 2011