عدد رقم 50 ل 18 - 11 - 2011

عدد رقم 50  ل 18 - 11 - 2011
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال تحليلي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقال تحليلي. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 6 مايو 2011

أسئلة مشروعة عن لعب جهات معلومة بالنار السلفية الوهابية في مغرب إمارة المؤمنين

أسئلة مشروعة عن لعب جهات معلومة بالنار السلفية الوهابية في مغرب إمارة المؤمنين
هل سمحت الدولة بعودة شيخ سلفي يدعو لأن يصبح المغرب شبيها بأفغانستان والباكستان والصومال؟


عنوان المقال ليس من وحي الخيال، أو الجرأة أو التأويل، وإنما ملخص لتعليق جاء في موقع "هبة بريس" ردا على صدور خبر عودة الشيخ محمد المغراوي للمغرب، ونهاية أزمة الفتوى المثيرة للجدل التي تسبب فيها عندما أفتى بجواز نكاح الطفلة ذات الست سنوات.
التعليق الذي سنورده بالحرف، يلخص طبيعة الإسلام الذي يسعى لتأسيسه التنظيم السلفي بالمغرب، أو بعض أتباعه، ويعبر عما يخالج أغلب الحركات الإسلامية كما تدعو إلى ذلك في اللقاءات غير الرسمية، وربما تكمن شجاعة الجماعات السلفية، أنها تعبر عما يخالجها بوضوح وذلك بخلاف الجماعات والأحزاب الإسلامية التي انخرطت في العمل السياسي ولا يمكن لها أن تعبر عما يخالجها بشكل علني، خشية إغضاب المسؤولين الذين رخصوا لها بالعمل السياسي، كما هو الواقع مع حركة التوحيد والإصلاح على سبيل المثال لا الحصر، وهناك خشية أخرى، لا يتم التطرق إليها في صحف هذه الجماعات، وخاصة جريدة التجديد، وهي أن إغراءات العمل السياسي، و"المغانم" الرمزية والمادية، أصبحت أعلى وأسمى من أن يتم التضحية  بها من أجل سواد عيون هذه الأحلام التي يعتبر عنها المغراوي ومن معه، وأغلب أعضاء الجماعات السلفية.
فماذا صدر عن هذا العضو السلفي المغرب، على هامش التعليق الصادق عن عودة شيخه المغراوي؟
لنقرأ التعليق، ولنتأمله جيدا: "المغرب الذي نريده هو مغرب يشبه أفغانستان والباكستان والصومال والبلاد التي يحكم فيها المسلمون، لا نريد نساء في الشواطئ والأزقة، لا نريد سياحة العري، لا نريد تدريس لغة الكفار على حساب لغة القرآن، نحن ضد ترسيم الأمازيغية، لا نريد علاقة مع إسرائيل، ونريد إمارة للمؤمنين يحكمها خليفة صالح يمنع التبرج والفساد، ما يسمى بالحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان والدستور الوضعي لا يوافقنا، ما يفتي به علمائنا يلزمنا، والموت للحاقدين والجهلاء".

+++ هل هناك ضوء أخضر؟
وصل الشيخ المغراوي إذن إلى مراكش، بعد عامين من الغياب بالسعودية، وحسب إحدى المتابعات الإعلامية، فقد رافقه اثنان من العلماء الوهابيين، وقد اختار هذا التوقيت بالذات لانشغال العالم العربي بشكل عام والمغرب على وجه الخصوص بموجات التغيير، وأيضا، بعد خطاب الملك الذي حمل بوادر إرادة حقيقية للإصلاح، وهو ما شجعه على العودة، مؤكدا في حديث للصحافة الوطنية أنه مازال متشبثا بفتواه بجواز زواج بنت التاسعة من عمرها، وأنه لن يتراجع عنها مادام يستمد حججه من القرآن والسنة، كما توقف عند إرادة الملك محمد السادس بفتح صفحة جديدة لمغرب جديد بعد خطابه لتاسع مارس الماضي، وأكد أنه لا يستبعد إعادة فتح دور القرآن التي بدأت موجة إغلاقها بعد الأحداث الإرهابية التي شهدتها الدار البيضاء، وأن جمعيته مستعدة لفتح دور القرآن في أقرب وقت، خاصة وأن والي جهة مراكش زار دار القرآن بالمحاميد التابعة لجمعية المغراوي، وأبدى رغبته في فتحها من جديد، وأنها لن تغلق مرة أخرى.
لا يمكن لشيخ مثل المغراوي، وللصدى الكبير الذي أثارته فتواه الشهيرة، ولتبعاتها الميدانية عبر إغلاق العشرات من دور القرآن، لا يمكن له إذن، أن يعود هكذا دون مقدمات للمغرب، والمسألة أكبر من موضوع "انشغال العالم العربي بشكل عام والمغرب على وجه الخصوص بموجات التغيير، وأيضا، بعد خطاب الملك الذي حمل بوادر إرادة حقيقية للإصلاح"، وإن كانت كذلك، تبقى عنوانا يحتاج إلى بعض التفاصيل، حيث تكمن الشياطين، ولا يبدو أننا سنجد بعض هذه التفاصيل في أغلب القراءات الإعلامية التي تنشر هنا أو هناك.
وقد تكون بعض هذه التفاصيل، وجود ضوء أخضر من جهات نفاذة، بعودة المغراوي للمغرب، والسماح له بفتح دور القرآن التي أغلقت في مراكش، ومعها أغلب دور القرآن في باقي المدن المغربية، ولكن الجميع ينتظر إجابات عن مقابل هذا العرض المركزي: ما هو العرض الموجود لدى المغراوي وأتباعه، وهل يذكرنا بالدور الذي تقوم به حركة التوحيد والإصلاح في المجالس العلمية مثلا، كما سوف نتوقف عند ذلك بعد قليل؟
لا يبدو أن عرض السلفيين مختلف عن دور المجلس العلمي الأعلى، وبيانه الأخير الذي أسال الكثير من المداد، والذي حرره أسابيع بعد تاريخ الخطاب الملكي المؤرخ في 9 مارس 2011.
وكان إجماع أغلب المراقبين على استنكار بعض بنود بيان المجلس العلمي الأعلى، وهذا ما أكدت عليه تعاليق أغلب القراء مثلا، وما توقف عنده بالتفصيل محمد الساسي المحلل السياسي والقيادي في اليسار الاشتراكي الموحد.
لا يشك أي متتبع في الدفاع الواضح للسلفيين المغاربة عن المرجعية الإسلامية المطلوب إقرارها في الدستور المرتقب، كما جاء في الخطاب الملكي، وكما أكد على ذلك بلاغ المجلس العلمي، عندما توقف عند أهمية ومرجعية الإمامة العظمى، وكما أكدت على ذلك حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية (فهما وجهان لعملة واحدة) في بلاغاتها ومواقفها ومقالاتها التي نشرت في جريدة التجديد، وكما أكد على ذلك المغراوي، فور عودته للمغرب، بما يساعد السلفيين، على غرار ما حصل مع التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية، على الانخراط أكثر في المؤسسات الدينية الرسمية، وفي مقدمتها المجالس العلمية المحلية.


+++ السلفيون على خط المواجهة الدستورية
إن الجماعات السلفية، كما هو الواقع مع التوحيد والإصلاح، ترى في مشروع إعادة هيكلة الحقل الديني، حسب أحد الباحثين، "جهودا إضافية تدعم المقصد الأصلي من وجود العمل الإسلامي وهو "إقامة الدين"، لكن التجربة أثبتت أن التنافس والاحتكاك واقع وفي أكثر من محل ومناسبة، وفي بعض الأحيان يتخذ مظاهر سلبية ويطفو على السطح، ومما يدل على هذه الحقيقة عنصران أساسيان:
 1 ـ استقطاب مؤسسات إمارة المؤمنين وهياكلها العشرات من أطر حركة "التوحيد والإصلاح" وكوادرها العلمية والدعوية من مستويات مختلفة، وفي مجالات متعددة؛ فطرف من أعضاء الحركة فاز بعضوية المجالس العلمية المحلية، وطرف ثان نال وظيفة المرشد الديني، وطرف ثالث اتخذ من اللجان الاجتماعية والثقافية -في المجالس العلمية وكذا الوعظ والإرشاد تحت مظلة هذه المجالس- إطارا لنشاطه الدعوي، وطرف رابع انخرط في إعلام إمارة المؤمنين (إذاعة محمد السادس وقناته).. فهذا الالتحاق بدائرة نشاط إمارة المؤمنين أثر بشكل غير مباشر على وظائف الحركة في الميدان؛ فالذين التحقوا بالمجالس العلمية ونشاطاتها يعدون في الغالب من النخب النوعية، والمعروفة بأدائها الدعوي المتميز، وعلى صعيد آخر، فإن مجمل الأعمال التي تقوم بها المجالس العلمية وهياكلها لا تختلف عن أعمال الحركة ومهامها، والجدير بالذكر في هذا السياق أن العناصر النشيطة في معظم المجالس العلمية تنحدر من الحركة الإسلامية وتحديدا حركة التوحيد والإصلاح.
2 ـ النزاع حول الفتوى بين الحركة ومؤسسة إمارة المؤمنين؛ فقد بدا واضحا أن المجلس العلمي الأعلى هو المخول وحده لإصدار الفتوى في المغرب، وغير مسموح لغيره من المؤسسات والعلماء بالإفتاء ومشاركته في هذه الوظيفة، وتجلت هذه النزعة الاستفرادية في الرد العنيف على فتوى للشيخ يوسف القرضاوي على قروض السكن من البنوك الربوية في المغرب، التي كان قد حررها ردا على سؤال وجهه إليه بعض أعضاء الحركة ونشرتها صحيفة التجديد (لسان حركة "التوحيد والإصلاح" سنة 2006)، وقد كان هذا الرد رسالة واضحة وقوية للحركة وغيرها بأن وظيفة الفتوى في الشأن المغربي هي من اختصاص المغاربة وحدهم، ومؤسسة العلماء التي يرأسها أمير المؤمنين، وسيتعزز هذا الميل بواقعة أخرى تتعلق بفتوى الشيخ السلفي محمد المغراوي حول جواز تزويج بنت التسع سنوات؛ حيث أصدر المجلس العلمي بشأنه بلاغا جاء في مطلعه: "إن الفتوى المعتبرة في شؤون الدين بالمملكة المغربية لا تصدر عن الأشخاص وإنما تصدر عن المجلس العلمي الأعلى". (والواقعة الثالثة تتعلق بفتوى الدكتور أحمد الريسوني حول حرمة التسوق من المتاجر التي تبيع الخمر)".
المطالب الإصلاحية التي ظهرت فجأة عند التيارات اليسارية والإسلامية (النهج والطليعة في الشق المتشدد، مقابل العدل والإحسان)، إضافة إلى مطالب العديد من الأحزاب اليسارية (اليسار الاشتراكي الموحد على الخصوص)، وبدرجة أقل، مطالب حركة 20 فبراير (التي تتجه نحو التمييع، بعد تناسل عدد أعضاءها، لدرجة ظهور خلافات بين مؤيد للجلوس مع لجنة المانوني).. كل هذه المطالب، سببت إحراجا كبيرا للمؤسسة الملكية، وللمرجعية الإسلامية المرتقبة في الدستور المرتقب، والتي تم التأكيد على مرجعيتها في الخطاب الملكي الأخير، ومن هنا، يأتي الرهان على الدعم الرسمي للجماعات السلفية، (جماعة المغراوي)، وقبلها حركة التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية، فهؤلاء، وهو قادة الإسلام السياسي البرغماتي، يرون أن أقل الضررين في الواقع المغربي، يقتضي الدفاع عن إمارة المؤمنين ضد الخصوم السياسيين، وأغلبهم من الخصوم العلمانيين، لأن ترك إمارة المؤمنين مساندة في صراعات المقترحات حول التعديل الدستوري، من شأنه أن يمس بالمرجعية الإسلامية للدولة المغربية.
وإذا كانت الدولة تراهن على دعم الجماعات الإسلامية السياسية (التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية) والجماعات السلفيى  (المغراوي ومن معه، وإعلامهم الذي تقوده صحيفة السبيل)، فإنه في المقابل، هناك قلق من المنافسين السياسيين من جهة، وأيضا، من الطرق الصوفية أن يتسبب هذا "التحالف" غير المعلن، بين الدولة وهذه الجماعات، في تشجيع المزيد من "غزو" الإسلاميين للمؤسسات الدينية، وهو الغزو الذي لم يعد خافيا على المراقبين اليوم، حتى أن العديد من المجالس العلمية المحلية، أصبحت رسميا تابعة للدولة، وعمليا، تابعة لحركة التوحيد والإصلاح أو ذات مرجعية وهابية، تحت أعين الدولة والسلطات الإدارية، التي لا تتدخل، ولن تتدخل أكثر بعد خطاب 9 مارس، بعد ظهور بوادر تقوية هذا التحالف غير المعلن.
لقد أصاب أحد الباحثين عندما اعتبر أن إشكالية المفهوم الجديد لإمارة المؤمنين تتمثل في عدم اعترافه بشرعية الحركة الإسلامية باعتبارها شريكا للمؤسسة الرسمية في القيام بالوظائف الدينية، والضغط عليها للانسحاب من مجالاتها الحيوية والإستراتيجية: المساجد، والعمل الخيري، والعمل الطفولي والنسائي.. وهذا الإشكال لا يمكن أن يرتفع، ولا حل له في الأفق المنظور، ما دام المفهوم الجديد لإمارة المؤمنين يتوخى - أساسا- رفع التناقض الأخلاقي الذي يحسه قطاع من الذات المغربية بين الواقع بأبعاده المختلفة والإسلام، ومن جهة ثانية تشتغل الحركة الإسلامية على هذا التناقض وتبرزه، وتقدم للناس دعوى شاملة لرفعه، هذه الدعوى لها أطروحة سياسية نافذة ونشيطة في الميدان.
+++ الأمن الروحي تحت رحمة السلفيين
ما تأكدت منه "ما وراء الحدث" خلال الآونة الأخيرة، أن الآراء منقسمة حيال ما جرى ويجري، بين المؤسسات الدينية والجهات المعلومة:
1 هناك من يرى أن المؤسسة الملكية مضطرة لأن تفتح الباب على مصراعيه أمام الجماعات الإسلامية والسلفية، من أجل مساعدتها على تجاوز محنة المطالب الإصلاحية ذات النفس الحداثي والعلماني، والتي وجدت صدى كبيرا لها خلال الأسابيع الأخيرة، إلى درجة أن بعض الأصوات تدعو إلى إمارة مؤمنين رمزية لا أكثر ولا أقل، ومن هناك، يأتي صدور بلاغ المجلس العلمي الأعلى (وهو المجلس الذي يعتبر نواة المجالس العلمية المحلية التي تعج بأعضاء من الحركات الإسلامية والجماعات السلفية)، حيث أكد البلاغ على تشبث علماء المؤسسة "بإمارة المؤمنين في وجودها الشامل وتفعيلها الكامل، واعتبارهم لها في الأمة بمثابة الروح من الجسد"، مُعربين عن "اعتزاز العلماء بروح التبصر والإقدام اللذين يميزان الإمامة العظمى بالمغرب كلما تطلب الأمر اتخاذ القرارات التي تحفظ للأمة ثوابتها وتتجاوب مع طموحها إلى مزيد من الكرامة والعزة والإنصاف"، معربين عن "اعتزاز العلماء وطمأنينتهم لإعلان أمير المؤمنين أن كل الإصلاحات المرتقبة ستأتي متوافقة مع ثوابت الأمة المتعلقة بالدين وإمارة المؤمنين"، و"أن التغيير -إن كان من متطلبات الشرع ومن سنة الحياة - فيجب أن يكون نابعا من تمثل جيد لحاجة المجتمع وانتظاراته، ومن جملة هذا التمثل معرفة ما هو صالح أو ضروري تنبغي المحافظة عليه".
2 وهناك تيار آخر، يرى أن مشروع إدماج الجماعات الإسلامية (التوحيد والإصلاح) والجماعات السلفية في المؤسسات الدينية الرسمية، يتجه على المدى المتوسط نحو التضييق على مؤسسة إمارة المؤمنين، وجعلها، تحت وصاية بشكل أو بآخر، تحت رحمة المشروع الإيديولوجي الوهابي لهذه الجماعات الإسلامية والسلفية، بل يذهب بعض رموز هذا التيار، إلى التحذير من تكرار تجربة الاستنجاد بالوهابية على عهد إدريس البصري والعلوي المدغري، والتي جعلت من المغرب أرضية خصبة للجماعات السلفية.
في انتظار نتائج هذه السياسات الدينية المفاجأة، يعود المغراوي، رافعا الرأس، ويستقبل استقبال الأبطال، كما لو أنه فتح الأندلس أو القدس، ويحظى بمتابعة إعلامية جد محترمة من طرف الإعلام المستقل المخزني، ومع ذلك، سيصرح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الحالي، بأن الدولة تسهر وتخدم مشروع الأمن الروحي للمغاربة.
خليل العلوي ماوراء الحدث عدد 24 

"قداسة" بنكيران تأتي على الأخضر واليابس "زنكة زنكة" في العدالة والتنمية


الأتباع والمستفيدين والحواريين يتهافتون على تنفيذ أوامر أولي النعمة
"قداسة" بنكيران تأتي على الأخضر واليابس "زنكة زنكة" في العدالة والتنمية

بعد المرور الأخير لعبد الإله بنكيران في برنامج حوار مساء الثلاثاء الماضي، وقبله المرور الموازي لمصطفى الرميد في برنامج نقاط على الحروف بالقناة الثانية، تأكد أعضاء العدالة والتنمية، ومن يتابعون وضع الحزب الإسلامي، أن قوة عبد الإله بنكيران أصبحت قدرا مقدورا، وأن من يجرؤ على قول لا، سيكون معرضا للتهميش والنفي وفقدان الامتيازات والمناصب.
ومن أجل توضيح ما نسعى تسليط الضوء عليه، ما دامت جريدة بنكيران (التجديد) لن تنشر هذا الرأي، يجب أن نبدأ خطوة خطوة، و"زنكة زنكة"، كما جرى خلال الأسابيع الأخيرة.
وسوف نبدأ بسليمان العمراني، وهو قيادي في حزب العدالة والتنمية، كان إلى وقت قريب أستاذ التعليم الثانوي، في إحدى مدن المغرب غير النافع، وأصبح اليوم نائبا برلمانيا، وعضوا في الأمانة العامة للعدالة والتنمية، كل هذا بفضل التدخل الشخصي والمباشر للأمين العام الحالي الذي يتحكم في مقاليد التوحيد والإصلاح والعدالة والتنمية وجريدة التجديد ونقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، ومنظمة التجديد الطلابي، ومنظمة تجديد الوعي النسائي، إلى جانب محمد يتيم وعبد الله.
إن هذا كلام توقفت عنده ما وراء الحدث في أكثر من مناسبة، وجاء التأكيد اليقين من لحسن الداودي، العضو في الأمانة العامة، يوم الثلاثاء ما قبل الأخير، الماضي، عندما فجر المسكوت عنه في دواليب الحزب، أمام أعضاء الأمانة العامة في لقاء حزبي بالرباط، واستنكر تسلط ممارسات هذا الثلاثي، أمام صمت بنكيران وبها وأمام ذهول باقي أعضاء الأمانة العامة، لأنهم تعودوا على التنديد بهذا التسلط، ولكن ذلك التنديد كان في الكواليس، فالكل يخشى من سطوة الرجل الأول ولكنهم لم يتعودوا على ترديد هذا التنديد أمام عراب الحزب.
ولكن، لماذا الحديث اليوم عن سليمان العمراني، باعتباره المشرف على الهيئات المجالية؟
على هامش صدور نشر عضو في المجلس الوطني للحزب (مصطفى الفرجاني) في موقع هسبرس على شبكة الإنترنت، نشر صاحبنا مقالا عنوانه "ردا على القواعد الذهبية الثلاث للعدالة والتنمية"، وكانت المفاجأة، أنه عوض أن يتحدث المسؤول الذي عينه بنكيران مسؤولا صوريا عن على الهيئات المجالية (تماما كما يعين مدير التجديد أو رئيس منظمة التجديد الطلابي وباقي المناصب..)، توقف فقط عند قضية جزئية وثانوية في مقال الفرجاني، وتتعلق بموضوع نزاع المكتب المحلي للعدالة والتنمية بالعرائش من جهة مع الكتابة الإقليمية ورئيس الجماعة المنتمي لنفس الحزب، واعتبر أن الأمر لا يعدو أن يكون "قراءة جانب فيها صاحب المقال الصواب في نظرنا، لمجموعة من الاعتبارات"، ليس مهما التوقف عندها جميعا، قبل أن يختم مقاله بالتأكيد على أن "ما ذكره صاحب المقال من نزاع بين الكتابة المحلية والكتابة الإقليمية هو موضوع متابعة متواصلة من قيادة الحزب، والحسم فيه ينبغي أن يتم داخل المؤسسات، أما نشره على الملأ وبمعطيات غير دقيقة فلا يخدم القضية".

+++ هل يفعلها بنكيران أخيرا ويعترف بخطئه؟
ليس هذا عنوانا من عناوين المادة اخترناه لها من جانبنا، وإنما هو في الأصل، لا يمكن أن نقرأه في جريدة بنكيران (التجديد)، مع أنه صدر عن عضو في العدالة والتنمية وليس عن عضو في الأصالة والمعاصرة أو في جريدة يسارية أو أمنية أو معادية للحركات والجماعات الإسلامية، وذلك بالرغم من أن الجريدة الإسلامية التي ترفع شعارات الأخلاق والإسلام والدعوة، ترفع أيضا شعار التميز دون التحيز، بما في ذلك التحيز للأمين العام، إلا عندما يكون الأمر يتعلق بالأمين العام الحالي، ولذلك قال لحسن الداودي: كفى، اللهم إن هذا منكر.
هذا عنوان مقال حررته أمينة ماء العينين، وهي عضو في الحزب الإسلامي، وصدر يوم الأحد 27 مارس الماضي بموقع هسبرس وسوف نترك أهل مكة يتحدثون عن شعابها وذلك لكي لا يؤاخذ علينا أتباع بنكيران في التجديد، التقول على عراب الحزب: "إن الغضب المتزايد اليوم داخل العدالة والتنمية، وهذا كلام أمينة ماء العينين، والذي يتم تصريف احتقاناته إعلاميا، نبئ عن تخييب بنكيران لظن مريديه قبل منتقديه. لقد ألبس الحزب لبوس التهافت الممجوج على المؤسسة الملكية لاعتبارات مردودة عليه في مجملها، ذلك أن أطروحة النضال الديمقراطي التي تبناها المؤتمر، والتي أطلق عليها بنكيران بموقفه الأخير من حركة 20 فبراير رصاصة الرحمة، لا يمكن أن تستقيم بالترويج المتواصل لملكية تنفيذية بصلاحيات لا محدودة، أما المرجعية الإسلامية التي ينطلق منها الحزب، فتكمن عظمتها وعدالتها في نزع القدسية عن الأنبياء بله الحكام والقادة، غير أن بنكيران يصر كل مرة على خيانة هذه المرجعية حينما يصرح أن احترامه للملك يمنعه من مجرد التعليق على كل ما يتعلق باختصاصاته، في حين أثبت شباب 20 فبراير أنهم أكثر احتراما للملك من كل الزعامات الحزبية حين طالبوه حضاريا بحماية الملكية بديمقرطتها وتكريس انفتاحها، فكان تفاعل الملك سريعا بشكل تجاوز سقف مطالب بنكيران الذي صرح مؤخرا أنه مستعد للمشاركة في حكومة يترأسها وزير أول يعينه الملك حتى لو تصدر حزبه نتائج الانتخابات". فهل من مزيد في مقالا من سابع المستحيلات أن تنشره التجديد ذات الخطاب الإصلاحي والأخلاقي والإسلامي والدعوي والوسطي..
وتضيف أمينة ماء العينين، أن "بنكيران أخطا التقدير حينما ابتخس حركة 20 فبراير وشكك في مراميها كاشفا عن قصور كبير في قراءة المتغيرات السياسية، ومسببا إحراجا كبيرا لأعضاء حزبه حينما فرض عليهم "التولي يوم الزحف" وليس ذلك من شيم الأحزاب الكبرى في شيء" لتوجه رسالة نصح إلى من يهمهم الأمر في العدالة والتنمية، أي الثلاثي بنكيران ويتيم وبها، قائلة: "أما حان الوقت إذن للاعتراف بالخطأ و استعادة زمام المبادرة؟ بنكيران وحده يملك الجواب كما يملك الجواب عن سؤال آخر: لماذا تحول موقع الحزب إلى نسخة رديئة من وسائل الإعلام الرسمي التي لا تنشر إلا ما يرضي أصحاب القرار؟ ففي النهاية ليس الشقيري ورباح وحدهما من كتب بخصوص موقف بنكيران من 20 فبراير. لابد من إخراج الحزب من الشرنقة التي تكبله حاليا ليفسح المجال أمام النقاش المصيري الذي يقف المغرب على أعتابه بدل استنزاف الجهد في مناقشة قضايا تنظيمية داخلية لا يعتبر الظرف ملائما للتنازع حولها".

+++ الدفاع السياسي والديني للشقيري ورباح
إن تأكيد أمينة ماء العينين على أنه "في النهاية ليس الشقيري ورباح وحدهما من كتب بخصوص موقف بنكيران من 20 فبراير"، يغذي ما نريد التوصل إليه من هذه المقالة، والذي جاء مختصرا في عنوانها: "هكذا يساهم عبد الإله بنكيران في الموت البطيء والأكيد لبعبع العدالة والتنمية"، ومن لم يقرأ ما حرره هذا الثنائي الشقيري ورباح عن بنكيران وموقفه من حركة 20 فبراير، سيجد لا محالة، صعوبات كبيرة في فهم حقيقة ما يجري في الحزب، وسيساهم في خدمة مشروع الذين يسعون إلى تصفية ما تبقى من مصداقية حزب أصبح، حسب رأي أمينة ماء العينين، "نسخة رديئة من وسائل الإعلام الرسمي التي لا تنشر إلا ما يرضي أصحاب القرار"، وهذا ما أغضب الرميد والشوباني وحامي الدين، قبل أن يتراجعوا عن موضوع الاستقالة.
ما قام به عبد العزيز رباح، وذلك على هامش التعقيب وتبرير موقف بنكيران من حركة 20 فبراير، كان دفاعا سياسيا عن موقف عراب الحزب، لا أقل ولا أكثر، وهذا أمر قد يتفهمه كل منخرط في العمل السياسي، حيث يتطلب إكراه الانخراط في العمل السياسي في دولة مثل المغرب الكثير من المراوغة والتحايل، هذا هو وضعنا، و"الغالب الله".
ولكن ما قام به أحمد الشقيري الديني، يعتبر أهم مما قام به عبد العزيز رباح، ليس فقط لأنه كان أن يجعل من عبد الثلاثي المتحكم في الحزب، صحابة الزمن السياسي المغربي الراهن (ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)، وإنما ـ وهذا أخطر ما في الموضوع ـ لأنه قام بالتأصيل الشرعي لموقف بنكيران من الحركة.
في الحركات الإسلامية الجهادية أو الإرهابية، يتم تأصيل أي فعل يقومون به، ولو كان شن الحرب على شعوب مسلمة، وفي حركات إسلامية دعوية، يقومون بنفس التأصيل، أي تأصيل العمل الدعوي، ومع الأحزاب الإسلامية، يأتي أمثال الشقيري لتأصيل ما يقوم به سادة الحزب، وسدنة الهيكل الإسلامي، مهما كان موقف السدنة، سواء خطأ أو صوابا، المهم، هو أن التأصيل جاهز، وبـ"قال الله سبحانه وتعالى وقال الرسول صلى الله عليه وسلم"، ويتم نشر التأصيل في جريدة العراب وفي موقع التوحيد والإصلاح على شبكة الإنترنت، أما القيادات والقواعد التي لا يروق لها التأصيل، فأرض الله واسعة، والبركة في مواقع شبكة الإنترنت، للفضفضة قليلا، وللتحذير، من أن مثل هذه الأفعال، تؤكد بالفعل، أن الحزب أصبح "نسخة رديئة من وسائل الإعلام الرسمي التي لا تنشر إلا ما يرضي أصحاب القرار". (ومن المقالات التبجيلية الأخرى التي نشرها أحمد الشقيري الديني، على غرار ما ينشره الأتباع والحواريين في التجديد، مقال مرتكزات الخطاب السياسي لعبد الإله بنكيران، وهل نحن في حاجة للتحذير من أن أعضاء في الأمانة العامة للحزب، تلتقي بهم "ما وراء الحدث"، اقتربوا من الصراخ وقول اللهم إن هذا منكر، نحن منه أبرياء إلى يوم الدين؟)
المهم، ما الذي حرره أحمد الشقيري الديني، وكان أن يجعل من بنكيران ومن معه، أنبياء وصحابة هذا الزمان (المغربي الفاسد، ماداموا يمثلون الإصلاح والنقاء والطهرانية والتقوى والورع)؟
جاء ذلك في مقال "بين الخطأ والخطيئة"، وجاء فيه، على سبيل المثال: "إن موسى عليه السلام لم يكن مطلوبا منه رأيه في خرق السفينة أو في قتل الغلام أو في إعادة بناء الجدار، كان مطلوبا منه الصبر والتزام الصمت حتى يحدث له الخضر من ذلك كله ذكرا، كذلك أعضاء الحزب من خارج الأمانة العامة، لم يكن مطلوبا منهم رأيهم في الخروج لمسيرات 20 فبراير من عدمه، كان مطلوبا منهم التزام القرار فحسب حتى يأتيهم تأويله، لأن الوقت لا يسمح بتوسيع دائرة الاستشارة، ولولا هذا الانضباط لما قامت للتنظيمات قائمة.لكن لا نقول لمن خالف القرارات الملزمة إنه ارتكب خطيئة، بل ارتكب خطأ أو ذنبا، والفرق بين الذنب والخطيئة شاسع!"
أما أبلغ رد على هذا التهافت الإسلامي، فقد جاء في تعليق لأحد القراء: "قرار مجموعة من أعضاء الحزب المشاركة في مسيرة 20 فبراير ليس خطأ ولا خطيئة. إن مجرد مراجعة قرار الشبيبة والضغط عليها من طرف الأمين العام يعد خرقا سافرا للاستقلالية الشبيبة. بنكيران وحواريوه يريدون الالتفاف على الخطأ بنقاشات جانبية ومحاولة تحميل المسؤولية للأعضاء الذين شاركوا".

+++ أحلام وتطلعات الأجيال المقبلة
لنختتم هذه الرسالة بصراحة العضو في الحزب، مصطفى الفرجاني، كما جاء في مقاله "القواعد الذهبية الثلاث للعدالة والتنمية"، حيث أكد على أن "الأحزاب السياسية ومن ضمنها حزب العدالة والتنمية مطلوب منها إن لم نقل مجبرة على اتخاذ خطوات أكثر جرأة في مسار دمقرطة  مؤسساتها ودمقرطة مساطر اتخاذ القرارات، ولئن كان الإسلاميون المشاركون بالمغرب قد تفوقوا ديمقراطيا في زمن الاستبداد فإن المرحلة المقبلة في المغرب وفي كل البلاد العربية ليست كسابقتها، وقد قدم حزب العدالة والتنمية درسا ديمقراطيا خلال آخر مؤتمر وطني له، فمطلوب منه أن يكون مدرسة ديمقراطية للأجيال المقبلة وأن يفتح أفقا جديدا للديمقراطية الحزبية وأن يضيف إلى اجتهاداته السابقة اجتهادات جديدة على مستوى آليات تدبير المنظمة الحزبية، وهو التنظيم الذي راكم تجربة سياسية وتنظيمية أكسبته احترام الأعداء قبل الخصوم. فهل سيكون في مستوى تطلعات الأجيال المقبلة؟".
المؤشرات المتوفرة حاليا، تقول أن احتمالات الفشل قائمة أكبر من احتمالات النجاح في هذه المهمة، وإلا، ما الذي يدفع عضو في الحزب، وليس عضوا في حزب منافس أو متحامل إيديولوجي أو فاعل أمني استئصالي، للتأكيد على أن العدالة والتنمية، على عهد بنكيران (وليس على عهد سعد الدين العثماني، لأنه شتان ما بين الرجلين)، أصبح إذن "نسخة رديئة من وسائل الإعلام الرسمي التي لا تنشر إلا ما يرضي أصحاب القرار".

خليل العلوي عدد 23 ماوراء الحدث ل 8 ابريل 2011

هل تعتبر محاكمة الفراع بداية "حملة تطهيرية" حقيقية لناهبي المال العام؟


عدم متابعة بعض المسؤولين يثير الاستغراب 
هل تعتبر محاكمة الفراع بداية "حملة تطهيرية" حقيقية لناهبي المال العام؟

رغم أن البعض يعتبرها بداية لـ"حملة تطهيرية" جديدة إلا أن محاكمة الرئيس السابق للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، محماد الفراع، اعتبرها البعض لا تنسجم وما تتطلبه المرحلة من حزب لمحاربة ناهبي المال العام ووقف نزيف نهب الثروات الوطنية، مما يستوجب الإسراع بمنح القضاء سلطة مستقلة كفيلة بالضرب على أيدي العابثين بمالية الشعب

يتساءل المرء بحرقة عما إذا كانت محاكمة الرئيس السابق للتعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية، محماد الفراع، نهاية الشهر الماضي، بداية محاكمة ناهبي المال لاسيما أن المحاكمة جاءت في وقت يشهد فيه المغرب حراكا سياسيا واجتماعيا غير مسبوق بسبب انبثاق حركة 20 فبراير من رحم الشبكة العنكبوتية على غرار حركات أخرى عربية مطالبة بمحاربة الفساد ومحاكمة ناهبي الأموال العامة. إنها الحركة الشبابية التي رفعت ضمن ما رفعته من شعارات في مظاهراتها الاحتجاجية المتواصلة، عدم الإفلات من العقاب، والفصل بين السلطة والمال وعدم استغلال النفوذ، وهي الشعارات التي تفاعلت معها إيجابا أعلى سلطة بالبلاد إلى درجة أذهلت كل المراقبين، عندما خرج ملك البلاد في خطاب 9 مارس مبشرا بـ"ثورة" حقيقية على الدستور الذي ظل جامدا منذ سنة 1962، وليعلن عن رزنامة إصلاحات على رأسها تمتيع القضاء بسلطة مستقلة وتفعيل مبدأ الحكامة الجيدة ومعاقبة المتورطين في سرقة المال العام.   

حملة تطهيرية لكن..
حكم غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بملحقة محكمة الاستئناف بسلا، يوم الخميس 31 مارس، على الفراع بعقوبة أربعة سنوات سجنا منها 30 شهرا نافذا وموقوفة التنفيذ في الباقي وغرامة مالية قدرها 10 آلاف درهم، بقدر ما جعل البعض يبدي تفاؤله بكون القضاء اتخذه مجراه أخيرا في اتجاه الضرب على أيدي العابثين بمال هذا الشعب الفقير، بقدر ما  أدى إلى مفاجأة كثيرين واندهاشهم من الحكم بالنظر إلى ما أسموه "تساهلا" غير مبرر مع أحد أكبر ناهبي المال العام، بحيث في الوقت الذي تقدر فيه الأموال المنهوبة أو المختلسة من التعاضدية بأزيد من 117 مليار سنتيم، لم تحكم المحكمة على الفراع إلا بإعادة مليار واحد، في حين أن دفاع التعاضدية طالب المحكمة بأداء المتهم 
مبلغ 117 مليارا و75 مليون سنتيم لفائدة التعاضدية التي كان يرأسها، وتعويض قدره 50 مليار سنتيم.
تخوف الفريق الثاني يكاد يجد له ما يكفي من المبررات خاصة أن الجهات القضائية ظلت في منأى عما يحدث من نزيف ميزانيات مؤسسات الدولة وكأنها غير معنية تماما بما يقدمه المجلس الأعلى للحسابات من تقارير سنويا، تثبت بما لا يدع مجالا للشك تورط العديد من المسؤولين ومدراء مؤسسات عمومية مهمة، على غرار تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2008 الصادر قبل أزيد من سنة، والذي أبان عن اختلاس وتبذير ما يزيد عن 600 مليار سنتيم من ميزانية المكتب الوطني للمطارات، على عهد المدير العام السابق عبد الحنين بنعلو، الذي رصد قضاة المجلس للحسابات إلى أي حد كان هذا الشخص يستهتر بالمال العام في سبيل إرضاء فقط حبه وتطلعه إلى امتلاك بعض الكماليات، حيث أورد تقرير المجلس أن بنعلو لم يتردد في اقتناء سجائر كوبية وعطور وحقائب من ماركات عالمية مختلفة، من محلات تجارية بمطار محمد الخامس معفاة من الضريبة، بقيمة مالية تجاوزت 60 مليون سنتيم، دفعها المكتب باعتبارها مشتريات للمؤسسة. كما اشترى المدير السابق أيضا 239 مليون سنتيم من الهدايا الفاخرة عبارة عن حقائب للكولف وسلع فضية وأخرى من البورسلين و الكريستال.
وبحسب هذا الرأي الأخير فإنه يبدو أن قضاءنا لا يريد تحريك هذه البركة الراكدة إلا في مناسبات بعينها ليكتسي طابع "التطهير" صفة الموسمية، لاسيما أن إثارة ملفات عدة من الفساد الإداري والمالي على مختلف محاكم المملكة، جاءت متزامنة بما يعرفه الشارع العربي والمغربي، خصوصا، من غليان أدى إلى الإطاحة بأنظمة سياسية لم يكن حتى أكثر الناس تفاؤلا يتوقع انهيارها بتلك الصورة، وهو الانهيار الذي لم يأت من فوهات البنادق أو نتيجة انقلابات بيضاء بل فقط نتيجة ترديد أفواه المتظاهرين؛ "كفى فسادا".

القضاء..فقدان الثقة..
تحرُّك محمد الناصري، وزير العدل المغربي الأخير، الذي وجه مذكرة إلى الوكلاء العامين بمحاكم المملكة للتعجيل بالمساطر الإجرائية فيما يخص ملفات الفساد المالي، لم يأت نتيجة اقتناع المؤسسة القضائية ببلادنا بجسامة وخطورة هذه الملفات التي تفوح منها رائحة الفساد والتي ظلت منذ وقت ليس باليسير تنتظر القول الفصل للعدالة، يقول المشككون في طريقة التناول القضائي لملفات الفساد الإداري والمالي، ولكنه تحرك أملته الظرفية الحالية والموجة العاتية من انتفاضات الشعوب العربية -والشعب المغربي منها طبعا- ضد "الحُكرة" والفقر والتهميش بسبب غياب تقسيم عادل لثروات البلاد، واستشراء الفساد في ظل قضاء غير مستقل وغياب تام لمحاسبة كبار المسؤولين. ليتساءل هؤلاء المشككون هل أن دعوة وزير العدل للوكلاء العامين بالتسريع في النظر في هذه الملفات، سواء تلك التي سبقت أن أحيلت عليهم مباشرة، أو من خلال المجالس الجهوية للحسابات، وتلك التي بقيت متراكمة، إما لدى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أو لدى الشرطة القضائية المحلية، هل هذه الإجراء سيذهب إلى أبعد حدود العدالة النزيهة وإماطة اللثام عن طرق تبذير المئات من ملايير هذا الشعب المعدوم، أم أن الأمر يتعلق فقط بخطة عمل تطلبتها المرحلة، مما يقتضي الإطاحة ببعض رؤوس الفساد دون قطف كافة الرؤوس التي لا يستطيع قضاة محاكم المملكة الشريفة استدعاءها للتحقيق معها، وهو ما سبقته إشارات "قوية" تجلت إحداها في فصل قضاة عن العمل، في إطار الصراع الذي يخوضه لوبي الفساد الذي لا يريد إصلاح القضاء؟
وفي الواقع فإن الحذر والشك الذي أبداه العديد من المتتبعين في طريقة تعاطي القضاء مع ملفات الفساد، وخاصة عند النطق ابتدائيا في ملف التعاضدية، يجد له ما يبرره خاصة في ظل حديث متواصل، حتى قبل خروج حركة 20 فبراير إلى الشارع و"خروج" الملك في 9 مارس، أي منذ أزيد من عقد من الزمن عندما رفع العهد الجديد، شعارات من قبيل "الحكامة الجيدة" و"محاربة الفساد". كما يجد لذلك التبرير الكافي والأكثر مدعاة إلى الشك والريبة، في هذا التلكؤ في التسريع بإصلاح جهاز القضاء، الذي تؤكد كل التقارير الحقوقية وغير الحقوقية، الوطنية والدولية، على عدم نزاهته، وهو ما يترجم بشكل لا يدع مجالا للشك فقدان المواطن ثقته في هذا القضاء، الذي تشير معطيات لا تكاد تحصى مدى تسخيره كأداة لخلخلة المشهد السياسي  الوطني، كما جرى مؤخرا فقط عندما تم استعماله للزج بالمستشار الجماعي والقيادي في حزب العدالة والتنمية، جامع المعتصم، في السجن بسبب ما قيل أنه تورط في ملفات فساد عقاري، قبل أن ينكشف الأمر ويتضح أن حزب الأصالة والمعاصرة، هو من كان وراء "تلك الطبخة" في مطبخ قضائنا، بعد تدخل أطراف من سلطات القرار على الخط، وهو ما تجلى من خلال الإفراج عن المعتصم، لا بل وتوجهه مباشرة بعد خروجه من سجن الزاكي بسلا إلى القصر الملكي بالرباط لتسلمه ظهير تنصيبه عضوا في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وليُطرح السؤال الطبيعي، ما قيمة ودور ذاك القاضي وأمثاله مِمَن يوعز إليهم بالتعليمات بتلفيق التهم إلى أمثال المعتصم، قبل أن يأمروا بالإفراج عنهم؟ وهل في ظل مثل هذه التصرفات غير المحسوبة يمكننا محاربة ملفات فساد تنوء من ثقلها الجبال؟

الدعوة إلى اللانتقائية..
الشك والريبة يكادان يذبان في أوصال كل متتبع هذه الأيام، أولا بسبب فقدان الثقة في قضائنا، وثانيا في التأثيرات السياسية التي تعصف بكل محاولة في اتجاه وضع سكة القضاء في مسارها الطبيعي والصحيح؛ والبعض يضرب كمثال على هذا "التهاون" أو لنقل "التردد" في تطبيق القانون ومبادئ العدالة، هذا التباطؤ في التعامل مع تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2008، الذي تطلب مرور أزيد من سنة على صدوره قبل أن يحرك  التحقيق في تلك الملفات، رغم أن المجلس الأعلى للحسابات أحال على وزارة العدل عددا من الملفات من أجل مباشرة المتابعة بشأنها، وأحالتها بدورها على النيابة العامة، لكن وبفعل "فاعل" فإن بعض الملفات لم يكتمل فيها التحقيق بعد، كما هو الشأن بالنسبة لملف المكتب الوطني للمطارات، الذي أحيل على النيابة العامة منذ شهر يوليوز سنة  2010، ومازال يراوح مكانه ولم ينته التحقيق بعد فيه.
فهل يمكن القول أن الإشارات التي جاء بها الخطاب الملكي في 9 مارس الماضي كانت كافية لمحمد الناصري لكي ينفض الغبار على العشرات من ملفات الفساد التي ظلت في رفوف المحاكم تنتظر النظر فيها؟ 
البعض يرى أن وزير العدل المغربي محمد الناصري، كما هم سابقوه، أبانوا عن قدرة هائلة للتفاعل السياسي مع الأحداث الجارية ببلادنا، بل وانخراطا في صراعات حزبية غير مبررة بحكم إشرافهم على جهاز مفروض فيه الاستقلالية التامة. لكن الظرفية الحالية، كما يرى جانب متفائل من المتتبعين، هي غير كل الظرفيات والمناسبات، يقول هؤلاء، فالمرحلة التي تجتاز فيها المنطقة العربية ظروفا صعبة أدت إلى تغيير أنظمة سياسية ظلت جاثمة على صدور مواطنيها بقبضة حديدية، بينما أنظمة أخرى في طريقها إلى زوال، هي مرحلة تحتاج إلى أكثر من مجرد تقديم وعود للاستهلاك الخارجي ومغازلة تقارير المنظمات الدولية ولاسيما منها النقدية والمالية، الداعية إلى إصلاح الإدارة والقضاء. إنها مرحلة ينبغي لها حقا، على مستوانا الوطني على الأقل، أن تبلور على أرض الميدان إلى واقع ما ظل "العهد الجديد" يرفعه من شعارات. ولعل ذلك ما جعل وزارة الناصري  تسارع إلى تفعيل ما بدأته في سنة 2010 عندما أمرت الوزارة بأن يأخذ 11 ملف فساد مسارهم الطبيعي في التقاضي، من بينهم ثمانية في التحقيق التمهيدي وثلاثة أمام قاضي التحقيق ومن ضمنهم ملف المكتب الوطني للمطارات، الذي أثار جدلا واسعا في السنة الماضية؛ حيث أكد التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات وجود اختلالات في تسيير وتدبير هذه المؤسسة. وفي نفس السياق توصل الناصري بملف من الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات بخصوص مؤسسة القرض العقاري والسياحي، والذي حوله بدوره إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية عن طريق الوكيل العام للملك.
لكن مسطرة الإحالة يشوبها عيب إجرائي ينبغي تداركه، كما يرى ذلك، رئيس الهيأة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب طارق السباعي، في إحدى تصريحاته، بحيث "يجب أن تكون مسطرة الإحالة فورية ومن الوزارة الوصية، أي وزارة الداخلية دون انتظار تعليمات وزير العدل باعتباره رئيسا للنيابة العامة، لتجنب البيروقراطية العقيمة والاعتبارات السياسية والتخفي وراء الحصانات الظاهرة منها والخفية"، ولتفادي أيضا "الانتقائية في الإحالة" التي تظل السمة الغالبة في تناول هذه الملفات، في ظل "تماطل الحكومة في محاربة الفساد وتفعيل آليات الحماية، وإصلاح القضاء وإعلان التصريح بالممتلكات، واتخاذ تدابير صارمة في مجال المراقبة القبلية والبعدية للمال العام وتفعيل مؤسساتها".

أونكادري1:
أثارت عملية تفويت أراضي الشركتين الفلاحيتين، "صوديا" و"سوجيطا"، الكثير من الأسئلة حول مدى احترام شروط ومساطر تفويت المرفق العام، خاصة بعد ردود الفعل الاجتماعية الخطيرة التي خلفتها عمليات تفويت الأشطر الثلاثة الأولى، التي شُرع في تنفيذها قبل أزيد من خمس سنوات. هذه النتائج الاجتماعية التي تجلت بالخصوص في فص المئات من العمال الزراعيين من عملهم، في وقت  تنص فيه بنود دفاتر تحملات التفويت على عكس ذلك، أي تشغيل مزيد من اليد العاملة وتحسين الأوضاع الاجتماعية، فمن المسؤول عن هذه الأوضاع الاجتماعية المتردية، بحسب ممثلي العمال، التي خلفتها عمليات التفويت التي تمت لحد الآن؟
اللائحة التالية، التي أعدتها الهيئة الوطنية لحماية المال العام بالمغرب، تكشف عن أسماء لا علاقة لها بعالم الفلاحة، لكنها استفادت من توزيع الآلاف من هكتارات أجود الأراضي الفلاحي؛
  
-   علي بلحاج - حزب رابطة الحريات 450 هكتارا
- المحجوبي أحرضان - حزب الحركة الشعبية 328 هكتارا
- رحو الهيلع - حزب التقدم والاشتراكية سابقا والأصالة والمعاصرة حاليا؛ 609 هكتارا
- بودلال بوهدود - حزب التجمع الوطني للأحرار 380 هكتارا
- عبد الرزاق مويسات - حزب الاتحاد الاشتراكي 200 هكتارا
- محمد تلموست - حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية 123 هكتارا
- ميلود العلج - حزب الاستقلال 138 هكتارا
- عبد السلام البياري - الاتحاد الدستوري 165 هكتارا
- مولاي البشير بدلة - التجمع الوطني للأحرار 77 هكتارا
- عياد بنعلي - حزب الحركة الشعبية 302 هكتارا
- خالد برقية - حزب الحركة الشعبية 1082 هكتارا
- محمد برقية - حزب المؤتمر الوطني الاتحادي 88 هكتارا
- لحسن بوعود - حزب الحركة الشعبية 816 هكتارا
- طارق القباج - حزب الاتحاد الاشتراكي 339 هكتارا
- بوعمر تغوان - حزب الاستقلال 153 هكتارا
- مولاي إسماعيل العلوي - حزب التقدم والاشتراكية ضيعة بالغرب تقدر بالعشرات من الهكتارات.

أونكادري2
هذه لائحة لعدد من الاختلاسات المعلن عنها رسميا؛ والتي أقرتها مختلف أجهزة الدولة منذ سنة 2000، بعد تحقيقات وجمع معطيات للجن تقصي الحقائق؛
+ صندوق الوطني للضمان الاجتماعي: بـ 115  مليار درهم.
+ المكتب الشريف للفوسفاط: 10 مليار درهم
+ شركة كوماناف: 400  مليون درهم
+ المكتب الوطني للنقل: 20 مليون درهم
+ الخطوط الجوية الملكية: قضية مدير عام سابق للخطوط الجوية الذي اختلس مليار سنيتم، إضافة إلى تبذير مبالغ مهمة على صيانة الطائرات بالخارج.
+ مكتب التكوين المهني؛ فقد تم الاحتيال على مبلغ 7 ملايير سنيتم في إطار برنامج  العقود الخاصة للتكوين.
+ وكالة المغرب العربي للأنباء: 1.76 مليون درهم
+ المطاعم المدرسية: 85  مليون درهم
+ جمعية مطاحن المغرب: اختلاس مليار و900  مليون سنتيم.
كذلك الأمر بالنسبة للاتحاد الوطني للتعاونيات الفلاحية المغربية، الذي أكدت بخصوصه المفتشية العامة للمالية وجود اختلالات خطيرة في تقرير الإفتحاص رقمIGF/3342، والذي أنجز بطلب من وزارة الفلاحة في ماي 2002.

ماوراء الحدث عدد 23 

الخميس، 5 مايو 2011

للاجابة عن إشكال الصياغة في‮ ‬ دستــــــرة الجهـــــــة‮


الصياغة الدستورية ركن العمل الأول لإنجاز دستور،‮ ‬لأن الأصل فيه الديباجة،‮ ‬وهو كذلك عند فقهاءه،‮ ‬فالدستور ديباجة كل قانون فرعي‮ ‬يتمثله أو‮ ‬يتمثل به ؛ وعليه‮ :‬
‮-‬ لا‮ ‬يمكن دسترة الجهة دون إعلان المغرب دولة‮ ‬– أمة‮ ‬the nation-state? وبالتالي‮ ‬لا‮ ‬يمكن كما ورد في‮ ‬ورقة الاتحاد الاشتراكي‮ ‬أن‮ ‬يكون الملك ممثلا أعلى للدولة فقط،‮ ‬بل للأمة حفاظاً‮ ‬على الوحدة‮.‬
ويتعين أن تتحدد رمزية الأمة واعتبار الدولة نظاما،‮ ‬لأن الأمن الجمعي‮ ‬يجمع بينهما‮ ‬يقول‮ ‬Gordian Knot إن السيادة الوطنية‮ ‬national sovereighty لا‮ ‬يكون بغيرها الأمن الجمعي‮ ‬collective security وأوله أن الدستور‮ ‬يصدر على إثر ميثاق جهوي‮ ‬أو للجهات،‮ ‬وفي‮ ‬عدمه‮ ‬يطرح الوضع إشكالاً،‮ ‬لأن من الضروري‮ ‬أن‮ ‬يكون الميثاق معضدا لأمن‮ ‬يعزز السيادة الوطنية‮. ‬ويكون بمعنى شامل‮ : ‬عدم وجود أسلحة في‮ ‬يد الجهة،‮ ‬فالتوحيد الكامل للأجهزة الأمنية جزء من هذه الهوية‮.‬
‮-‬ لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يُدَسْتَرَ‮ ‬التقطيع الجهوي،‮ ‬وإلا كان الانتقال إلى الفيدرالية مسألة وقت،‮ ‬ثم لا تحمل الجهة أسماءها الريف أو مراكش‮... ‬بل الجهة الشرقية،‮ ‬والشرقية الوسطى،‮ ‬والشرقية الأقصى،‮ ‬والشرقية المركز‮... ‬على سبيل المثال‮.‬
الجهة لاتكون‮  ‬اسماً‮ ‬تاريخيا أو اسم علم،‮ ‬حتى لا‮ ‬يقال عن اللفظ أمازيغي‮ ‬أو عربي‮ ‬أو‮ ‬غيره من التقسيمات المعروفة أو‮ ‬يكون المطلب في‮ ‬الجهة مطلبا‮ ‬غير وظيفي‮ ‬أو تقني‮.‬
واعتماد الاسم الجغرافي‮ ‬جزء ذكي‮ ‬لجمع الوظيفي‮ ‬والتقني‮ ‬إلى الديمقراطي‮ ‬والمساواتي‮ ‬Equality‮ ‬وهذا المربع‮ ‬يخدم الجهة والوطن دوماً‮.‬
‮-‬ دسترة الجهة‮  ‬تستوجب ضرورة دسترة النظام الجهوي،‮ ‬فلا‮ ‬يعقل أن تكون البنية دون نسقها في‮ ‬الدستور،‮ ‬فالأخذ بالجهة ونظامها قاعدة دستورية‮ (‬rule) يترتب عنهما تمثيل شعبي‮ ‬لإدارتها الذاتية،‮ ‬وكل إدارة ذاتية‮ - ‬من خارج الدولة/الأمة‮ - ‬دولة لم تكتمل،‮ ‬تطلب شروط اكتمالها‮. ‬فالديمقراطية ليست وسيلة تدبير وحكامة بقدر ما هي‮ ‬شعب إقليم تحت ظروف قابلة للإدارة،‮ ‬بمعنى أن الجهة تدبير إداري‮ ‬مفوض من الإدارة العامة،‮ ‬وتشكل مرفقاً‮ ‬جهويا لخدمة الدولة المدنية الواحدة‮.‬
إننا أمام نمط‮ ‬يميز الحكومة الجهوية واشتراكها على أكثر من مستويين على الأقل مع الحكومة المنسِّقة‮.‬
والتساؤل‮ : ‬هل الحكومة الوطنية حكومة تنسيق فقط‮ ‬ coordinate وإن لم تكن،‮ ‬كيف‮ ‬يمكن أن ننتج معنى للوحدة دون أن تتداخل الوظائف الانتخابية‮.‬
الاقتراح المغربي‮ ‬لعزيمان‮ ‬يرفض‮ "‬ازدواج الوظيفة الانتخابية‮" ‬فكيف‮ ‬يمكننا أن نقرر الوحدة وذاتية الجهة في‮ ‬مستويين حسب الفقهاء الدستوريين‮. ‬قد‮ ‬يكون المعنى في‮ ‬هذه الحالة‮ : ‬ازدواج الوظيفة الإدارية فيتأكد أن الوظيفة الانتخابية إدارية في‮ ‬الأساس‮.‬
ونقرأ في‮ ‬دستور ألمانيا منذ‮ ‬1871 مؤسسة الجهة من دون معنى انفصالي‮ ‬لمستويات الحكم بين المركز والجهة،‮ ‬وهو ما أخذت به أمريكا حسب‮ ‬Kenneth ‮ ‬فالدسترة تتم عبر تداخل على أكثر من مستوى بين المركز والجهة،‮ ‬به تكون كياناً‮ ‬عبر المركز فيما‮ ‬يدعى‮ "‬مساواة‮" ‬المداخيل‮ ‬equalizing.
- دسترة الجهة لا‮ ‬يكون بدون سلطة فيدرالية في‮ ‬المركز وأخرى في‮ ‬الجهة،‮ ‬حيث‮ ‬يتم التقسيم على أساس السلطة التشريعية والمعنى الإداري‮ ‬وقرار الصرف‮.. ‬على أن تكون طبيعة النظام الجهوي‮ ‬جزءا من النظام العام للمملكة‮.‬
الفقه الدستوري‮ ‬يوجب نصا القول‮ : ‬أن النظام الجهوي‮ ‬مستوى من مستويات النظام العام للمملكة‮.‬
الجهة‮ ‬– بهذا التحديد‮ ‬– تؤمن أنها طبيعة حكم،‮ ‬فلديها برلمان لكن اختصاصاته تطرح إشكالاً،‮ ‬فهل‮ ‬يمكن تحديد عمل البرلمان الجهوي،‮ ‬وكيف له ذلك بما‮ ‬يجعله‮ (‬مصطلحاً‮ ‬ثابتاً‮) ‬لا‮ ‬يتميز في‮ ‬تشريعه عن‮ ‬غيره في‮ ‬المركز،‮ ‬ولا‮ ‬يكون فاعلا‮ "‬تشريعيا‮" ‬إلا بما‮ ‬يساهم في‮ ‬العمل المركزي‮.‬
أمر أن‮ ‬يصدر البرلمان وحده القوانين أمر محسوم لأن السلطة التشريعية متميزة عن بعضها البعض،‮ ‬لتمايز الجهات‮. ‬فإطلاق الحكم الذاتي‮ ‬والجهات‮ ‬يضع من البدهي‮ ‬تخويل البرلمان‮ "‬الحق وحده في‮ ‬إصدار التشريعات‮".‬
اقتراحات الأحزاب لتعديل الدستور تعمل على خلفية مركزية،‮ ‬وغير جهوية،‮ ‬والنظام الجهوي‮ ‬يفرض إصلاحات جذرية مكتسبة لا تتطلب التنصيص عليها‮.‬
انطلاق الأحزاب من المركز وإليه شكل عقماً‮ ‬حقيقيا في‮ ‬انتقال الدولة من النظام المركزي‮ ‬إلى اللاممركز‮. ‬وتكون في‮ ‬هذا الإطار دسترة‮ (‬استقلالية العضو البرلماني‮ ‬للجهة‮) ‬بما‮ ‬يعني‮ ‬أن الحصانة البرلمانية تدخل في‮ ‬طبيعة الدولة‮.‬
أولا،‮ ‬لأن إقرار نظام جهوي‮ ‬من طبيعة الدولة السيادية‮.‬
ثانيا،‮ ‬مساواة المنتخب الجهوي‮ ‬بالمركزي،‮ ‬لعدم الجمع بين التمثيليتين‮.‬
ثالثا،‮ ‬وجوب تثبيت المعنى الدستوري‮ ‬للجهة من خلال التصويت الجهوي‮ ‬على قوانين المركز،‮ ‬إذ‮ ‬يجب أن‮ ‬يسقط قانون صوت عليه برلمان المركز إن عارضته برلمانات ثلثي‮ ‬الجهات،‮ ‬وهذا الفيتو وجبت دسترته نصا‮.‬
وهو ما‮ ‬يطلق عليه‮ (‬التأويل الدستوري‮ ‬للجهة‮) ‬constitutional interpretation ‮ ‬لأنه بغير هذه الورقة لا معنى للجهة إلا في‮ ‬تصريف قرار المركز‮.‬
رابعا،‮ ‬إعلان محكمة إدارية عليا تهتم بنزاعات الجهات فيما بينها،‮ ‬دون تدخل المركز،‮ ‬لتغليب القانون العام على القانون الجهوي،‮ ‬والأخذ بالقوانين الإدارية للمملكة بما‮ ‬يفيد المصلحة،‮ ‬ويكون دور هذه المحكمة تكميليا بما‮ ‬يناسب عدم تغليب مصالح المركز على الجهات أوأي‮  ‬جهة على أخرى‮.‬
إننا أمام قوانين‮ ‬يكون فيها الدستور‮ ‬Basic law ‮ ‬بالإضافة إلى دستوريته من خلال اعتباره‮ "‬قانوناً‮ ‬رئيساً‮" ‬لتشريع الجهة ومن ثم للمحكمة الإدارية العليا‮ ‬supreme.
وبهذا التدقيق أجد من واجبي‮ ‬أن أذكر تعزيز الرابط على أساس أن‮ ‬يكون للجهوي‮ ‬محلي،‮ ‬ليكون‮ ‬– بالضرورة‮ ‬– للجهوي‮ ‬مركز‮. ‬فالجملة الدستورية‮ ‬يجب أن تراعي‮ : ‬تصريف العمل الجهوي‮ ‬في‮ ‬إطار وطني،‮ ‬وتكليف الجهة بما‮ ‬يترتب عن الوطني،‮ ‬والدفاع عن مصلحة الجهة كمصلحة صرفة أو خالصة‮.‬
خامسا،‮ ‬اعتبار الجهة‮ "‬بنية‮" ‬في‮ ‬النظام السياسي‮ ‬الحزبي،‮ ‬وليس النظام العام فقط،‮ ‬ليعمل الجميع من داخل الجهة والمركز لأجل الوحدة‮.‬
سادسا،‮ ‬أن مداخل‮ "‬ins" ومخارج‮ "‬outs" النظام الجهوي‮ ‬تعمل مع حكومة بالضرورة دستورية،‮ ‬وإلا أصبح الملك رئيسا للجهات بالمعنى الإداري،‮ ‬واعتبار الوزير الأول رئيس حكومة كفيل وحده أن‮ ‬يكون فيه وضع الجهة مقبولاً‮ ‬من ناحية تمثيلها كذات تشريعية وإدارية مستقلة في‮ ‬الدستور‮.‬
المركز في‮ ‬هذه الحالة مركز الجهات وتمركزها،‮ ‬وليس بأي‮ ‬حال تمركز على الذات أو على البيروقراطية التي‮ ‬أنتجت فئة‮ "‬متكلسة‮" ‬إدارية ومتغطرسة في‮ ‬الرباط تخدمها الجهات‮.‬
وظيفة النظام الجهوي‮ ‬تفتيت البيروقراطية والخروج من حقوق الدولة إلى حقوق المجتمع،‮ ‬حيث تدافع الجهة عن الدولة كمستوى من الإدارة تحتاجه لتحقيق‮ "‬مستوى حكامي‮ ‬جيد‮".‬
هل نقرأ حاليا حقوق الدولة‮ ‬state rights قبل حقوق الجهة ؟ بالتأكيد،‮ ‬توازن الحقوق جزء من الحل،‮ ‬واختلالها جزء رئيس من المشكلة،‮ ‬لقولنا‮ : ‬الجهة‮ "‬حق لأصحابها ؛ والمنتمون لإقليم جغرافي‮ ‬معين‮ ‬يفسر ميكانيزم العمل على أساس‮ :‬
أ‮ ‬– أن الدستور‮ ‬يجب أن‮ ‬ينتقل من دسترة الجهة كجماعة ترابية إلى اعتبار النظام الجهوي‮ ‬نظاما وحيداً‮ ‬للإدارة الترابية أو نظاما لإدارة التراب الوطني‮. ‬فيكون الدستور مرجعا لكل جهة في‮ ‬شرعيتها وسبب وجودها من جانب،‮ ‬وفي‮ ‬اعتمادها حكامة ترابية من جانب آخر‮.‬
ب‮ ‬– لابد للدستور أن‮ ‬يتحدث عن مصطلح خطير هو الوحدة الجهوية،‮ ‬فيكون المغرب لفظا دستوريا بوحدته الجهوية والترابية والوطنية‮.‬
ج‮ ‬– تحديد الورقة الجهوية‮ "‬كأسمى وحدة‮" ‬للدستور،‮ ‬الأمريكيون عملوا على هذه النقطة حيث دستورهم منطوٍ‮ ‬على‮ "‬أوراق فيدرالية‮" ‬شكلت الوحدة،‮ ‬والدستور الموحد الذي‮ ‬يعمل على الجهات‮ ‬يجب أن‮ ‬يُدَسْتِرَ‮ ‬العمل الجهوي‮ ‬وعمل الدولة في‮ ‬الجهات على قدم المساواة‮.‬
تحديد الجهات من صنع التحديث ونحن نقرأ بوضوح في‮ ‬خطاب‮ ‬9 مارس‮ : ‬أن الجهة‮ "‬بنية اجتماعية‮" ‬وظيفية،‮ ‬قبل أن تكون إدارية بحتة،‮ ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن العمل الديمقراطي‮ ‬يتأسس على الفرد المواطن،‮ ‬وعلى الجهة وبالتالي‮ ‬على الوطن كوحدة‮.‬
والصيغة الدستورية‮ ‬يجب أن تعلن بلا مواربة،‮ ‬أن الجهة وحدة‮ ‬unité تدعم الوحدة‮ ‬L'unité الوطنية‮. ‬الألمان قرروا ذلك،‮ ‬من اعتبار الوحدة حق الدولة،‮ ‬والإدارة الترابية للجهة تفويض من شعب الإقليم أي‮ ‬تفويض من تحت ؛ وتفويض من فوق‮ ‬يسلم جزءا من إدارة السلطات،‮ ‬وليس من السلطات لإنجاح عمل الدولة،‮ ‬والسؤال‮ : ‬هل الجهة سلطة أم لا ؟‮.‬
الجهة سلطة ترابية‮ ‬يمارسها شعب الإقليم أو بنية ترابية‮ ‬يفوضها المركز بعض السلطات عبر الدستور‮.‬
إن انتخاب المسؤولين ورئيس الجهة‮ ‬يعني‮ ‬أننا أمام‮ "‬سلطة منتخبة‮" ‬فهل سيعترف الدستور بالجهة سلطة منتخبة باللفظ ؟
قد‮ ‬يكون هذا الإقرار مدعاة لاستقلال جهوي‮ ‬في‮ ‬القرار‮ ‬يمكِّنه من الطعن في‮ ‬قرار المركز،‮ ‬في‮ ‬حال وضوح الإجحاف‮. ‬واستيعابا لهذه الطعون ولغير هذه المهمة،‮ ‬أرى أن محكمة جهوية عليا،‮ ‬أو إدارية عليا ستدير الوضع بما‮ ‬يكفل للجميع الوصول إلى الأهداف السامية‮.‬
فهل‮ ‬يمكن أن نعرِّف الدولة بسلطها الجهوية ونقر بأن الجهة حق دستوري‮ ‬أصيل‮ ‬يستحيل التراجع عنه،‮ ‬أم‮ ‬يمكن للمركز اعتبار الجهة حكامة وإدارة فيكون حق الجهة‮ "‬مشروطا أو مفوضا أو منقولا‮".‬
ودسترة الحق الجهوي‮ ‬في‮ ‬كل الأحوال ضرورة‮ ‬يجب ألا‮ ‬يتراجع عنها النظام،‮ ‬وإلا تفتت المغرب‮.‬
إن صَهْرَ‮ ‬المغرب وذوبانه في‮ ‬بعضه البعض بنى دولة تتبنى اليوم الجهوية لتكريس الحكامة الترابية والحكامة الاقتصادية الاجتماعية‮. ‬لربح رهان التنمية ؛ والاعتراف بالذات الجهوية أفق للحداثة،‮ ‬لأن الديمقراطية تصنع للتعدد وحدته على أن خياراً‮ ‬آخر‮ ‬يصنع الوحدة انفجاراً‮ ‬للهوية نحو هويات صغرى،‮ ‬والجهوية ليست سوى اعتراف بالذات كما هي‮ ‬؟‮!‬

عبد الحميد العوني عدد 23 ل 8 ابريل 2011

عندما سيحكم الفصل‮ ‬19العسكر فقط‮ ‬ هل‮ ‬يمكـــن دسترة علاقــــة الملــــك و الجـــيش؟‮


هل الصفقة كبيرة وخطيرة وتاريخية بين الأحزاب والملك‮ : ‬للأحزاب رئاسة الحكومة،‮ ‬وللملك رئاسة الجيش‮. ‬لتكون علاقة الجيش والملك‮ "‬علاقة بيعة‮" ‬وليست‮ "‬علاقة دستورية‮"‬،‮ ‬يجد فيها الفصل‮ ‬19 مكانه تماما‮.‬

اقبار وزارة الدفاع إلى الأبد في‮ ‬مقابل مؤسسة‮ "‬رئيس الحكومة‮" ‬
اقتراحات الأحزاب أقبرت وزارة الدفاع في‮ ‬مقابل دسترة مؤسسة‮ "‬رئيس الحكومة‮"‬،‮ ‬حيث لم تؤكد المقترحات على أي‮ ‬سلطة‮ (‬حقيقية‮) ‬للحكومة على الأمن،‮ ‬إلا بما‮ ‬يفيد بقاء الجيش تحت سلطات الملك،‮ ‬وباقي‮ ‬الأجهزة تخضع لمساطر‮ (‬الإنصاف والمصالحة‮).‬
هذا التقسيم سيكون له ما بعده،‮ ‬فدستور‮ ‬1996 سكت على سلطات ضمنية للملك‮ ‬يتم توضيحها ودسترتها حاليا‮. ‬الصفقة بين الأحزاب والملك تدفع إلى عزل دستوري‮ ‬كامل بين الأحزاب والجيش،‮ ‬من جهة،‮ ‬وتكرس لدور ملكي‮ ‬مطلق في‮ ‬حالة الاستثناء‮. ‬فالتحكيم الملكي‮ ‬يأتي‮ ‬عبر الجيش قبل أن‮ ‬يأت من قناة أخرى‮.‬
الملك لن‮ ‬يكون له حزب،‮ ‬وسيكون له الجيش‮. ‬خلاصة‮ ‬يساهم في‮ ‬الوصول إليها درس الهمة بحزبه الأصالة والمعاصرة،‮ ‬وقد اجتاح‮ ‬– في‮ ‬وقت من الأوقات‮ ‬– الساحة السياسية قبل أن تدفعه الثورة العربية إلى التراجع‮. ‬والواقع أن الجيش في‮ ‬مصر وتونس كسر‮ "‬حزب الرئيس‮"‬،‮ ‬وبحرب ناعمة كسرت المعادلة‮ "‬حزب الملك‮"‬،‮ ‬وقدمت الجيش للملك بشكل نهائي،‮ ‬لنرى التساؤل واضحا،‮ ‬هل الجيش جيش مغربي‮ ‬أم قوات ملكية فقط ؟
الواقع أن الأحزاب وضعت الجيش في‮ ‬يد الملك في‮ ‬مقابل طلبها من الملك رئاسة الحكومة‮.‬
إن مجرد وجود مثل هذه الصفقة‮ ‬يؤهل لملكية برلمانية تضع قرار الحرب والسلم في‮ ‬يد الملك،‮ ‬ولا‮ ‬يعني‮ ‬بأي‮ ‬حال أي‮ ‬تحول جذري‮ ‬في‮ ‬معادلة القوة،‮ ‬مما‮ ‬يؤهل الملك أن‮ ‬يسود ويحكم في‮ ‬كل الأحوال المتوقعة في‮ ‬المملكة،‮ ‬لأن الصفقة الرئيسة لميزان القوى،‮ ‬وهو إلى جانب القصر‮.‬
تسليم قيادة الجيش للملك بمثابة‮ ‬unfinished nationhood ‮ ‬يكون فيها محمد السادس‮ "‬قائدا حقيقيا ومطلقا للأمة بدون الفصل‮ ‬19 أو معه،‮ ‬لأن الجيش أصلا مرتبط حاليا بعقد البيعة،‮ ‬بمعنى أن الفصل‮ ‬19 سيحكم علاقة الجيش والملك مع وفاة الحسن الثاني،‮ ‬بعد أن دخل إلى البرتوكول‮ ‬– لأول مرة‮ ‬– جنرالات بايعوا الملك إلى جانب المدنيين في‮ ‬1999.

هل سيحكم الفصل‮ ‬19 الجيش فقط ؟‮ ‬
السلطات الضمنية للملك والتي‮ ‬حكمت بعض مفاصل الحياة السياسية وعلاقة الملك والأحزاب منذ الثمانينات تحت مسمى‮ (‬إمارة المؤمنين‮) ‬ستنقل كاملة إلى علاقة الملك والجيش،‮ ‬بعد الدسترة الشاملة لعلاقات الملك والحكومة‮.‬
وضع‮ ‬يوجه الفصل‮ ‬19 إلى الجيش فقط،‮ ‬ولهذا تحافظ كل الأحزاب على ذكره في‮ ‬الدستور الجديد،‮ ‬لإتمام هذه الصفقة التي‮ ‬أشر عليها خطاب‮ ‬9 مارس عندما دعا إلى دسترة توصيات الإنصاف والمصالحة،‮ ‬ووضع فاصلا واضحا بين الجيش والحكومة المدنية المنتخبة،‮ ‬ويعمل على تكريس الجيش حقلا محفوظا للملك‮.‬
الأحزاب أدركت ذلك وسلمت الملك ما‮ ‬يريده بعد خطاب‮ ‬9 مارس،‮ ‬ليحكم الفصل‮ ‬19 الجيش وحده في‮ ‬المستقبل القريب دون دعوة إلى دسترة علاقاته معه‮.‬
الجيش المغربي‮ ‬يجب أن‮ ‬يحمي‮ ‬الدستور الجديد الشعبي‮ ‬والديمقراطي،‮ ‬لأنها مؤسسة تحمي‮ ‬المؤسسات والأمن القومي‮ ‬للمملكة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬نجد أن سمو الدستور‮ ‬يحمي‮ ‬كل الأطراف ويحمي‮ ‬الملك نفسه من أي‮ ‬دعوة لإسقاطه‮.‬
الديمقراطية تحمي‮ ‬الملك والديمقراطية معا في‮ ‬معادلة لم تستقر بعد في‮ ‬المغرب،‮ ‬وأي‮ ‬فشل في‮ ‬الوصول إلى هذا الهدف سيؤثر على المستقبل،‮ ‬لأن حكم المغرب بالسلطات الضمنية لطرف معين لا‮ ‬يخدم بأي‮ ‬حال سمو الدستور وحماية المؤسسات‮.‬
إن سمو الدستور على الملك‮ ‬يجعل سمو الملكية على‮ ‬غيرها دائما،‮ ‬والجيش في‮ ‬هذه الحالة‮ ‬يكون وطنيا‮ ‬يحمي‮ ‬الملك،‮ ‬وليس ملكيا بالاسم قد‮ ‬ينقلب على العرش كما حدث مع تجارب أوفقير وقبله‮.‬
إن قراءة متأنية لصيغة الفصل‮ ‬19 في‮ ‬الدستور الحالي‮ (‬الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها‮) ‬ثم‮ ‬ينتقل إلى هوية أخرى‮ (‬هو حامي‮ ‬حمى الدين والساهر على احترام الدستور‮...) ‬وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة‮.. ‬تعني‮ ‬في‮ ‬مجملها أن الفصل صنع على أساس‮ ‬غير رمزي‮ ‬ويرتبط بوحدة الوطن واستمرار الدولة واستقلال البلاد وحوزة المملكة،‮ ‬وهذا البعد عسكري‮ ‬في‮ ‬كل‮ "‬هويات‮" ‬الملك المتعددة والمذكورة‮ (‬بنفس الفصل‮).‬
التمييز الذي‮ ‬أحدثه منظرو الاتحاد الاشتراكي‮ ‬بين أمير المؤمنين والملك والدستور،‮ ‬يوازيه تمييز آخر بين أمير المؤمنين والقائد الأعلى للقوات المسلحة،‮ ‬ينتهي‮ ‬في‮ ‬اقتراحات الأحزاب بمطابقة‮ "‬كاملة‮" ‬– بين الأمير الديني‮ ‬والقائد العسكري‮ - ‬ستتعمق كلما تقرر بناء‮ (‬حكومة دستورية‮) ‬في‮ ‬المغرب‮.‬
التمييز الثالث بين الملك،‮ ‬والمشرف الوحيد على الحقل الديني‮ ‬وأخيرا التمييز الرابع بين الملك والمشرف على الحقل القضائي‮.‬
إن مربع الملك كقائد أعلى للحقل الديني‮ ‬والحقل القضائي‮ (‬الحقوقي‮ ‬في‮ ‬حال تقدم مطالب الحرية‮) ‬والحقل العسكري‮ ‬والحكومي‮ ‬قد‮ ‬ينتهي‮ ‬بتسليم الحقل الأخير‮ (‬الحكومي‮) ‬إلى الشعب واستمرار إدارة توازن الحقل الديني‮ ‬والقضائي‮/‬الحقوقي‮ ‬بين‮ ‬يدي‮ ‬محمد السادس،‮ ‬على أن الإجماع الواضح حول الملك في‮ ‬إدارته للجيش‮.‬
اليسار‮ ‬يرغب في‮ ‬إدارة الملك للحقل الديني‮ ‬مائة بالمائة،‮ ‬وبعض الإسلاميين‮ ‬يدعمون عدم تسليمه إدارة أمور الدين كاملة،‮ ‬ورغبة الجميع في‮ ‬الوصول إلى اقتسام للسلطة مع الملك مع تسليم الجالس على العرش إدارة كاملة على الجيش‮.‬
صقور الملكية البرلمانية في‮ ‬المغرب لا‮ ‬يناقشون إدارة الملك للجيش،‮ ‬مما‮ ‬يعني‮ ‬أن قرار السلم والحرب في‮ ‬يد الملك وبالتالي‮ ‬فإن أي‮ ‬ملكية برلمانية في‮ ‬المملكة لن تشبه‮ ‬غيرها،‮ ‬وتعمل على‮ "‬بقاء الملك بصلاحيات استراتيجية كبيرة‮" ‬أمام حكومته‮. ‬دستور‮ ‬1962 نص على الفصل‮ ‬19 وبقي‮ ‬دون تعديل إلا في‮ ‬جزئية أن الملك في‮ ‬الديباجة الأولى‮ (‬رمز وحدة الأمة‮)‬،‮ ‬وفي‮ ‬ديباجة‮ ‬1996 (الممثل الأعلى للأمة ورمز وحدتها‮) ‬مما‮ ‬يعني‮ ‬أن الملك هو الممثل الأول للدولة والأمة معا،‮ ‬وهذا التقدير‮ ‬يجعل الملك القائد العسكري‮ ‬الأول ليس فقط من حيث التراتبية الهرمية في‮ ‬الجيش لاعتباره قائداً‮ ‬أوَّلَ‮ ‬له،‮ ‬بل لأنه ممثل أعلى للأمة‮ ‬يمثلها على رأس كل مؤسسة وطنية‮.‬
وفي‮ ‬هذه الحالة‮ ‬يكون له حق رئاسة الحكومة وحده‮. ‬

‮ ‬لابد من جيش دستوري‮ ‬لحكومة دستورية‮... ‬ومزالق خطيرة تنتظر الجميع
إن عدم وجود أي‮ ‬علاقات مباشرة على الإطلاق بين حكومة دستورية والجيش،‮ ‬وعدم دسترة علاقات الجيش مع‮ ‬غيره‮ ‬يضع القوات الملكية المسلحة بقيادتها الملكية على هامش المؤسسات،‮ ‬فهل هذه القوات مؤسسة‮ ‬Establishment
إن كل حكومة دستورية تنبني‮ ‬قبل كل شيء على الرغبة في‮ ‬الاستقرار‮ ‬ Desire of stability في‮ ‬مقابل رغبة الحرية التي‮ ‬يبديها الشعب‮. ‬اليوم لابد من دستور جديد‮ ‬يدستر كل العلاقات ويمؤسس الجيش إن تمأسست رئاسة الحكومة ليكون الدستور طبيعيا‮. ‬ويكون بموجبه توازن السلطات كاملا،‮ ‬وقيادة الملك للجيش ليست إدارية‮ (‬كما في‮ ‬الفصل‮ ‬30) بل قيادته دستورية‮.‬
الفصل‮ ‬30 يجعل من قيادة الملك الإدارية للقوات منصوص عليها دستورا‮. ‬وتعزيز الوضع بما‮ ‬يفيد أن الجيش‮ ‬يدافع عن الدستور باسمه واسم قيادته‮ ‬يفيد‮ "‬المزيد من السلامة الوطنية‮".‬
وبالتالي،‮ ‬فإن توسيع وتعزيز الفصل‮ ‬30 بما‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى تقليص الفصل‮ ‬19 سيساهم في‮ ‬وضع آخر لدسترة أوضاع الجيش بما‮ ‬يفيد الاستقرار‮. ‬ونضرب مثالا‮ : ‬هل اقتراح الملك لمبادرة الحكم الذاتي‮ ‬أتت من الفصل‮ ‬19 وهل تعديل الفصل‮ ‬يلغي‮ ‬إتمام الحل في‮ ‬الصحراء‮ (‬الغربية‮) ‬أم أن الاقتراح أتى من الفصل‮ ‬ 30 لاعتبار الملك قائدا للقوات المسلحة الملكية،‮ ‬وفي‮ ‬هذه الحالة لا‮ ‬يمكن لصياغة الفصل الحالي‮ ‬أن تعتبر المبادرة‮ "‬دستورية‮"‬،‮ ‬ولذلك على المعدلين للدستور أن‮ ‬يوسعوا من الفصل الثلاثين في‮ ‬حال التضييق في‮ ‬الفصل‮ ‬19 كي‮ ‬تكون مبادرة الملك في‮ ‬الحرب والسلم‮ "‬دستورية‮".‬
أولا،‮ ‬يمكن أن‮ ‬يعين الملك في‮ ‬الوظائف المدنية والعسكرية وأن‮ ‬يفوض هذا الحق لكن هذا الحق ليس محصورا،‮ ‬وليس خاصا بما ذكر،‮ ‬بل‮ ‬يفوض للتفاوض والتسويات في‮ ‬حال السلم،‮ ‬والحرب،‮ ‬وهذا الأمر‮ ‬غير منصوص عليه،‮ ‬بل تقديره في‮ ‬الفصل‮ ‬19 لاعتبار الملك ممثلا أعلى للأمة‮.‬
ثانيا،‮ ‬أن الذهاب بعيدا في‮ ‬عدم الوضوح في‮ ‬البنود الأمنية والعلاقة مع الجيش سببت في‮ ‬توسيع‮ "‬السلطات التقديرية‮" ‬للملك التي‮ ‬مست العمل الحكومي،‮ ‬وما دام خطاب‮ ‬9 مارس قد فتح النقاش حول دسترة توصيات الإنصاف والمصالحة،‮ ‬فإن الجيش كفاعل ضمن هذا الترتيب‮.‬
والوصول إلى دسترة علاقات الملك والأجهزة الأمنية‮ (‬بما فيها الجيش لتدخله في‮ ‬ملفات تازمامارت وغيرها‮) ‬ووضع الحكومة الدستورية سيزيدان من دسترة كل العلاقات والمؤسسات الأمنية‮.‬

‮ ‬الدستور المكتوب لكل السلطات التقديرية هو الثورة الدستورية الحقيقية
إن طبيعة الدستور المكتوبة حاجبة لكل سلطة تقديرية ترى نفسها عليا أو أسمى،‮ ‬فالمعاصرون‮ ‬يعتبرون الدستور المكتوب ضمانة الضمانات لأنه‮ ‬يوضح بشكل مكشوف كل العلاقات بين المؤسسات الحاكمة‮.‬
Written constitution ضمانة حقيقية ليكون الدستور شعبيا،‮ ‬ومن الأمة،‮ ‬فالأمة تسود إن كتبت دستورها‮. ‬والغموض والسلطات التقديرية أو الرمزية في‮ ‬صالح الحاكم مهما‮ ‬يكن‮.‬
اختيار المغرب الانتقال من دستور سياسي‮ ‬political constitution إلى دستور مكتوب هو الثورة الدستورية،‮ ‬فإما أن‮ ‬يكون الدستور محددا لكل العلاقات بين مؤسسات الأمن والإدارة والمنتخبين والرمزيين أو أن التقليد الدستوري‮ ‬سيكون دستور الحسن الثاني‮ ‬الذي‮ ‬عمل على تنصيص السلطة‮ ‬غير المشروطة‮ ‬unconditional authority بما تحمله من العامل الضمني‮ ‬والتقديري‮ ‬قبل ترسيم كل السلطات من أجل توازنها على أساس الفصل لا الجمع‮.‬
الواقع المغربي‮ ‬كشف أن الملك والبرلمان هما مصدرا السلطة ومؤسسة الوزير الأول في‮ ‬نقلها من الترسيم الملكي‮ ‬إلى البرلماني‮ ‬بعد طفرة‮ ‬يجب أن تكون مقعدة‮ ‬basic.
هذا الانتقال في‮ ‬كل العالم العربي‮ ‬لم‮ ‬يطرح سؤال علاقة الجيش بالرئاسة في‮ ‬مصر أو في‮ ‬تونس،‮ ‬الشأن نفسه في‮ ‬المغرب،‮ ‬حيث‮ ‬يناقش الجميع‮ "‬التقنين الدستوري‮ ‬لرئاسة الحكومة‮" ‬عوض الدسترة‮ ‬constitutionalizing    والفارق بين الدسترة والمأسسة بعيد،‮ ‬فهل وصلنا إلى المأسسة الكاملة قبل الدسترة،‮ ‬أي‮ ‬اعتبار الملك مؤسسة والجيش مؤسسة في‮ ‬نفس سياق الاعتراف بالسلطات الثلاث وفصلها لتتوازن‮.‬
إن لجوء الجيش إلى الدستور لحماية الملك‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون بمسطرة أو مسار قانوني‮. ‬وكذلك الحفاظ على إنتاج حكومة دستورية من الشعب،‮ ‬وبهذين المعطيين،‮ ‬ومن داخل المحافظة عليهما‮ ‬يمكن الإقرار بأن الجيش تحت قيادة دستورية للملك من حيث تحول كل العلاقات بين المؤسسات إلى علاقات دستورية ؛ مثل هذا الوضع سيساهم في‮ ‬تعزيز الاستقرار والحرية وبناء الديمقراطية من قواعد قانونية‮.‬
الدستور أب القانون،‮ ‬وتدقيقه‮ ‬يساهم في‮ ‬صناعة المرحلة،‮ ‬فهل‮ ‬يتجه المغرب إلى دستور للتاريخ أم لمرحلة ؟
انتقال الدستور من دسترة الوصايا الملكية في‮ ‬9 مارس إلى دستور أمة‮ ‬يخدم المملكة لمراحل هو ما‮ ‬يجب أن‮ ‬يكون رهان الشعب،‮ ‬لأن هذا الورش إن فتح كل عشر سنوات‮ ‬يعني‮ ‬أن الدولة‮ "‬غير مستقرة‮"‬،‮ ‬وهذا لا‮ ‬يخدم أحداً‮. ‬كما أن بناء دستور تاريخي‮ ‬هو الطريق الواضح لإنجاح علاقات لا‮ ‬يحكم بينها سوى الدستور‮. ‬يرجع إليه الملك والشعب ويكون سموه‮ "‬سموا‮ ‬غير قابل للاختراق‮".‬
مؤسسة القيادة العليا للقوات المسلحة دستورية بحكم الفصل‮ ‬ 30لكن الفصل‮ ‬19 وحده‮ ‬يكفل ما للملك من سلطات‮ "‬ضمنية‮" ‬في‮ ‬حال وقوع ما‮ ‬يستوجب تدخله كما‮ ‬يوضح الفصل‮ ‬35.
وفي‮ ‬هذا الإطار نجد أن الاتحاد الاشتراكي‮ ‬في‮ ‬صيغته التي‮ ‬يقترحها للفصل‮ ‬19يعتبر الملك رئيس الدولة وممثلها الأسمى،‮ ‬ورمز وحدتها،‮ ‬وضامن دوامها واستمرارها واستقلالها في‮ ‬دائرة حدودها الحقة،‮ ‬والساهر على احترام الدستور،‮ ‬والضامن عبر تحكيمه للسير العادي‮ ‬للمؤسسات وللخيار الديمقراطي‮ ‬ولصيانة حقوق وحريات المواطين والجماعات والهيئات،‮ ‬وهو أمير المؤمنين بصفته حامي‮ ‬حمى الدين‮) ‬عاملة على إعلان الملك للحرب والسلم دون إمارة المؤمنين،‮ ‬ودون تمثيل للأمة‮. ‬لأن الملك ممثل أسمى للدولة وليس للأمة ويستدعي‮ ‬الوضع تعديلا ما للفصل الثلاثين والخامس والثلاثين،‮ ‬بإضافة تقول بعد الأصل‮ : ‬الملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية وممثل الأمة في‮ ‬الحرب والسلم،‮ ‬وقد وضع الفصل الخامس والثلاثون حاجزا أمام الملك لا‮ ‬يمس بموجبه البرلمان تحت أي‮ ‬ظرف بما‮ ‬يعني‮ ‬توازن السلطات ودفاعها عن الديمقراطية في‮ ‬حال تكرار ما حدث مع أوفقير‮.‬
على أن المستتر إن ظهر تقديره على ظاهر دستوري‮ ‬مبين،‮ ‬يكفل للجميع تدقيقات واجبة،‮ ‬تدفع بجرأة إلى‮ :‬
‮- ‬دسترة علاقة الجيش والملك بمواد واضحة‮.‬
‮- ‬الذهاب إلى ترتيبات بدورها واضحة تهيكل مواد الدستور على أساس تقليص الملك من سلطاته المدنية في‮ ‬مقابل تعزيز سلطاته العسكرية،‮ ‬واعتبارها مقدسة،‮ ‬من خلال فصل علاقات السلط وتوازن بعضها ببعض في‮ ‬الباب الخامس من الدستور‮.‬
وفي‮ ‬اقتراح حزب الاستقلال نجد صعوبة أخرى إذ أبقى الفصل‮ ‬19 بدون تعديل في‮ ‬الصياغة،‮ ‬ودعا إلى اعتبار التشريع بالقانون من صلاحية البرلمان وحده،‮ ‬مما‮ ‬يجعل علاقة الجيش والملك بظهائر،‮ ‬ويكون التقسيم واضحا بين سلطات الملك المختلفة‮. ‬فالقول بتوازن السلطات لا‮ ‬يعني‮ ‬أكثر من توازن لتدخل الملك في‮ ‬المؤسسات،‮ ‬وحصانة المنتخب منها بما‮ ‬يفيد أن تكون مشرِّعة في‮ ‬كل المجال المدني،‮ ‬وهذا لا علاقة له بالسيادة،‮ ‬لأن حال إقرارها له وحده ستشمل الجيش وكل المؤسسات‮. ‬والمغاربة في‮ ‬البحث الشرس عن حماية ملكيتهم‮ ‬يقودون إصلاحاتهم بشكل حذر كي‮ ‬لا‮ ‬يمسوا قيادة الملك المطلقة للجيش‮.‬
وعليه،‮ ‬نجد الأحزاب تطرح أوراق سياسية أكثر منها دستورية في‮ ‬تحديد علاقات الحكومة والقصر‮. ‬وهو الشغل الشاغل للإصلاح‮.‬

مبدأ سمو الدستور قد‮ ‬يدفع إلى دسترة علاقات الجيش وقيادته
تأكيد الجميع أن الإصلاحات لا‮ ‬تمس باختصاصات الملك رسالة إلى عدم رغبة الأحزاب في‮ ‬طرح علاقة الملك والجيش في‮ ‬بنود دستورية،‮ ‬لأن المهم هو سيادة ودسترة ودمقرطة العمل الحكومي‮ ‬عبر الانتخاب الحر الممثل للشعب‮.‬
الملك استفاد قبل‮ "‬موت أحزاب الكتلة‮" ‬التي‮ ‬استنزفها الحكم منذ وفاة الحسن الثاني‮ ‬من‮ "‬تعديلات دستورية متقدمة‮" ‬تعيد المبادرة للملك لانطلاق مرحلة جديدة من الحكم والحكومة‮.‬
‮-‬ من جهة لا تمس الجيش في‮ ‬مقابل دسترة مقررات الإنصاف والمصالحة بخصوص الأجهزة الأمنية‮.‬
‮-‬ من جهة أخرى لا تمس الإمارة الدينية للملك في‮ ‬مقابل تشريع أوسع للبرلمان‮.‬
‮-‬ لا تمس بعض وزراء السيادة في‮ ‬مقابل دسترة العمل الحكومي‮ ‬على أساس رئاسي‮ (‬رئاسة الحكومة‮) ‬كما‮ ‬يطرحه حزب الاستقلال‮.‬
فضل القصر صفقة مع أحزاب لا تزال تحكم،‮ ‬أدارت مع الحسن الثاني‮ ‬صفقات الماضي،‮ ‬والصفقة الحالية لا تخرج عن مسلسل صفقات دعي‮ (‬ديمقراطيا‮) ‬وأخذ من الاصطلاحات الكثير‮.‬
والواضح أن مطلب سمو الدستور‮ ‬يطرح دسترة علاقة الجيش وقيادته،‮ ‬وقد رأينا كيف أن دستور‮ ‬1908 في‮ ‬مادته الحادية عشر قال‮ : (‬وله‮ ‬– أي‮ ‬السلطان‮ ‬– قيادة الجيش الكبرى وإشهار الحرب‮) ‬مما أعطى التفويض لوزير أو لغيره بالقيادة الصغرى،‮ ‬على أن إشهار الحرب من اختصاص ممثل الأمة وليس الدولة وحسب،‮ ‬وفي‮ ‬ختام المادة‮ ‬ 11‮: ‬وهو الذي‮ ‬يمثل الأمة والدولة معاً‮ ‬أمام الدولة الأجنبية‮.‬
وقراءة شرعية ودستورية لبعض جُمَلِ‮ ‬البند‮ ‬11 نجد أن السلطان‮ ‬يمثل الدولة أمام أمته،‮ ‬ويمثل الأمة والدولة معا أمام أي‮ ‬دولة أجنبية،‮ ‬وتقرير المادة الدستورية بهذه الصياغة فيه ذكاء تميز به الأجداد قبل قرن‮.‬
وفي‮ ‬الجيش لاحظنا أن الفصل‮ ‬30 من‮ ‬1993يدستر القيادة العليا للقوات المسلحة،‮ ‬وفي‮ ‬جملة‮ ‬ 1908 ما‮ ‬يفيد القيادة العليا بصيغة القيادة الكبرى‮ ‬– في‮ ‬حينه‮ ‬– وإشهار الحرب،‮ ‬على أن قارئ دستور‮ ‬1996 اهتم بإشهار‮ (‬حالة الطوارئ‮) ‬أو الاستثناء‮.‬
وإن اعتبرنا أن الحرب حالة استثناء،‮ ‬والمغرب‮ ‬– لظروفه الجيوسياسية في‮ ‬ملف الصحراء الشرقية والغربية وسبتة ومليلية‮ ‬– لا‮ ‬يرى في‮ ‬شخص ملكه وحده‮ "‬إعلان الحرب‮" ‬بل‮ ‬يتركه المشرِّع الدستوري‮ ‬للحالة نفسها بما‮ ‬يكون اعتداء،‮ ‬فإن قيادة حالة الحرب على أساس حالة استثناء تنفي‮ ‬رغبة المملكة في‮ ‬الحرب،‮ ‬وطلبها للسلام‮.‬
من الناحية الدستورية وجب توسيع المادة في‮ ‬حال الأخذ بصياغة الاتحاد الاشتراكي‮ ‬بما‮ ‬يفيد حالة الحرب والسلم كي‮ ‬يتمكن المغاربة من محاسبة المسؤول عن الأخطاء‮ "‬العسكرية‮"‬،‮ ‬وإلا بقيت مسؤولية الحرب والسلم مسؤولية دولة وليست مسؤولية أمة وندرك أن نفي‮ ‬بوعبيد لميسور كان لاعتباره الأمن القومي‮ ‬للمغرب مسؤولية أمة‮.‬


عبد الحميد العوني عدد 23 ل 8 ابريل 2011